وفي هذا الفصل أذكر بعض أقوال أهل العلم في حكمهم على التشريعات العامة والقوانين الوضعية حيث ذكروا لها حكمًا من غير تفصيل فيها، وإنما التفصيل في غيرها أعني الانحرافات والتجاوزات في التطبيق، وقد مر معنا طائفة من أقوال شيخ الإسلام وابن القيم وشارح الطحاوية، والشيخ محمد ابن إبراهيم، والشيخ العثيمين، والشيخ الفوزان، والشيخ الغنيمان، والشيخ عبد الرزاق عفيفي.
وإليك الأقوال الأخرى:
أولًا: الحافظ ابن كثير رحمه الله وقد مر معنا نقله للإجماع في تكفير المستبدلين للشريعة، وقال أيضًا في تفسيره قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50] : (ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) [تفسير ابن كثير: 2/ 64] .
ثانيًا: العلامة الشنقيطي رحمه الله، وقد ذكر هذه القوانين وحكمها في تفسيره في أكثر من موضع، منها قوله: (وبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله صلى الله عليهم وسلم أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله على بصيرته وأعماه عن نور الوحي مثلهم) [أضواء البيان 4/ 92] .
وقد تقدم قوله: (والإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة فالذي يتبع نظامًا غير نظام الله أو غير ما شرعه الله، وقانونا مخالفا لشرع الله من وضع البشر معرضا عن نور السماء الذي أنزل الله على لسان رسوله ... من كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن لا فرق بينهما البتة بوجه من الوجوه فهما واحد وكلاهما مشرك بالله؛ هذا أشرم بع في عباداته، وهذا أشرك به في حكمه، والإشراك به في عبادته والإشراك به في حكمه كلهما سواء) [أشرطة الشيخ من تفسير قوله تعالى: {اتخذوا أخبارهم ورهبانهم أربابا} ] .
وهذه النصوص الخاصة والصريحة من الشيخ في القوانين الوضعية تقضي على ما قد يفهم من النصوص الأخرى كما في قوله في الأضواء [7/ 162] : (الدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه كفر بواح لا نزاع فيه) .
وقوله أيضا [2/ 104] : ( {ومن لم يحكم بما أنزل الله} معارضة للرسل وإبطالا لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها مخرج عن الملة، {ومن لم يحكم بما أنزل الله} معتقدا أنه مرتكب حراما فاعل قبيحا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة) .
فأما الأول؛ فنص على أن من اعتقد كون القوانين مثل أو خيرا من حكم الله أنه يكفر بلا نزاع وهذا لا إشكال فيه، أما ما قد يفهم منه أنه إن لم يعتقد كون القوانين مثل أو خيرا من حكم الله أنه لا يكفر فهذا الفهم مدفوع بما تقدم، لأن الشيخ رحمه الله جعل المتبع للقوانين كالعابد للصنم والساجد للوثن سواء بسواء، ولا فرق بينها ولا حتى بوجه من الوجوه، ومن المعلوم أن العابد للوثن والساجد للصنم كافر استحل أو لم يستحل جحد أو لم يجحد، فكذلك القوانين إذا.
وإنما ينص بعض العلماء عند ذكره للقوانين على الاستحلال لأن هذا العمل يعتبر استحلالا، أو أن الظاهر أن فاعله مستحل، كما تقدم من كلام الشيخ ابن جبرين والشيخ ابن عثيمين حفظهما الله فهي كاشفة لا مقيدة.
وأما النقل الثاني [2/ 104] فالقوانين داخلة في القسم الأول لأنها معارضة للرسل وإبطال لأحكام الله.
وأما قوله في القسم الثاني أنه"إن كان معتقدا أنه مرتكب حراما فاعل قبيحا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة"فهذا عام في الحكم بغير ما أنزل الله ويتخصص بما تقدم، حيث خص فيها القوانين الوضعية، وإنما يحمل القول العام على القضايا المعينة لا التشريعات العامة، وبهذا يستقيم الاستدلال بكلام الشيخ ولا يتناقض.
ثالثا: العلامة الشيخ محمد حامد الفقي رحمه الله، قال في تعليقه على"فتح المجيد" [ص: 243] : (ويدخل في ذلك بلا شك - يعني معنى الطاغوت - الحكم بالقوانين الأجنبية عن الإسلام وشرائعه من كل ما وضعه الإنسان ليحكم به في الدماء والفروج والأموال، وليبطل بها شرائع الله من إقامة الحدود، وتحريم الربا والزنا والخمر ونحو ذلك، مما أخذت هذه القوانين تحللها وتحرمها بنفوذها ومنفذيها، والقوانين نفسها طواغيت، وواضعوها ومروجوها طواغيت، وأمثالها من كل كتاب وضعه العقل البشري ليصرف عن الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم إما قصدًا أو عن غير قصد من واضعه فهو طاغوت) .
وقال في نفس الكتاب [ص: 348] معلقًا على قول ابن كثير الذي تقدم: (ومثل هذا وشر منه من اتخذ من كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها في الدماء والفروج والأموال ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع إلى الحكم بما أنزل الله، ولا ينفعه أي اسم تسمى به ولا أي عمل من ظواهر أعمال الصلاة والصيام ونحوها) .
رابعًا: العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله قال في"عمدة التفسير" [4/ 173 - 174] - معلقًا على قول ابن كثير الذي تقدم: (أفرأيتم هذا الوصف القوي من الحافظ ابن كثير في القرن الثامن لذاك القانون الوضعي الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان! ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر في القرن الرابع عشر! إلا في فرق واحد أشرنا إليه آنفًا: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام أتى عليها الزمان سريعًا فاندمجت في الأمة الإسلامية وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالًا وأشد ظلمًا منهم لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن تكادتندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذاك الياسق ... ) .
إلى أن قال: (إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس هي كفر بواح لا خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنًا من كان في العمل بها، أو الخضوع لها، أو إقرارها، فليحذر امرؤ نفسه وكل امرئ حسيب نفسه) اهـ.
خامسا: العلامة ابن قاسم رحمه الله قال في حاشية"الأصول الثلاثة" [ص: 96] : (كمن يحكم بقوانين الجاهلية والقوانين الدولية، بل جميع من حكم بغير ما أنزل الله سواء كان بالقوانين أو بشيء مخترع وهو ليس من الشرع أو بلحوظ في الحكم؛ فهو طاغوت من أكبر الطواغيت) .
فهذه بعض أقوال العلماء في القوانين الوضعية، ومن أراد الاستزادة فليراجع ما ألف في هذا الموضوع ككتاب"الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية"للشيخ عمر الأشقر، ورسالة"إن الله هو الحكم"للشيخ محمد بن شاكر الشريف، ورسالة"حكم الله وما ينافيه"للشيخ عبد العزيز ابن محمد العبد اللطيف وغيرها.
والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل.