الصفحة 8 من 15

وهنا لا بد من بيان معنى القضية المعينة ومعنى التشريع العام، لأن كثيرًا من الناس ومنهم العنبري يظن أن معنى الحكم بغير ما أنزل الله في القضية المعينة أنه تبديل حكم واحد من أحكام الله فقط، وأن معنى التشريع العام هو الاستبدال الكامل للشريعة، وهذا فهم مغلوط.

فالمقصود بالقضية المعينة؛ هو عدم تطبيق حكم الله فيها، وليس تبديل الحكم، فمثلًا هو يحكم بالشرع ويرجم الزاني المحصن ويجلد البكر، ولكنه لم يرجم فلانًا من الناس بعد أن ثبت زناه إما لرشوة أو لكون الزاني قريبًا له، وذلك كأن يطعن في عدالة الشهود، ونحو ذلك.

وأما التشريع العام؛ فهو تبديل حكم الله ولو في حد من الحدود، أو مسألة من المسائل، ووضع حكم آخر وتشريع آخر تنتظم فيه جميع القضايا، كأن يكون حكم الزاني السجن أو الغرامة المالية ونحو ذلك.

وإنما كفر من بدل ولو حكمًا واحدًا من الشرع، لأن المشرع من دون الله إنما كفر لكونه أشرك بالله ونازعه في حق من حقوقه الخالصة، ويستوي في ذلك تبديله لحكم واحد أو أكثر كمن ذبح لغير الله يكفر ولو فعله مرة واحدة غير أن الكفر دركات، وبعض الكفر أشد من بعض وبعض الناس أكفر من بعض، قال تعالى: {إنما النسيء زيادة في الكفر} [التوبة: 37] .

ونتج عن هذا الفهم الخاطئ لمعنى القضية المعينة أنهم يقولون: إن قولكم في قضية معينة لا ضابط له، فلو حكم بأكثر من قضية متى يكون كافرًا؟ وهم في هذا قد جمعوا بين سوء الفهم لأقوال مخالفيهم وبين مذهب آخر غريب، وهو أنهم يريدون حدًا عدديًا للمعاصي يكفر به الإنسان، والمعصية عند أهل السنة والجماعة لا يكفر فاعلها وإن تكررت منه، فليس هناك عدد معين من الزنا يكفر به الزاني، وكذا السارق وكذا شارب الخمر، وكذلك أيضًا عدم تطبيق حكم الله في قضية معينة معصية وليس كفرًا، فسواء فعله مرة أو مرتين أو أكثر ما لم يستحل ذلك.

ولقد تجاوز العنبري حدوده، وأمعن في بهتانه حيث ألزمنا بتكفير حكام بني أمية وبني العباس، بل معاوية رضي الله عنه.

والرد عليه أن نقول:

أولًا:

تقدم أن مقصودنا من القضية المعينة هو استبدال الحكم لا الانحرافات والتجاوزات في التطبيق، فلا يلزمنا هذا اللازم السخيف الظالم، فبنو أمية وبنو العباس لم يبدلوا حكمًا من أحكام الله، ولم يشرعوا من دون الله، إنما كان يقع من بعضهم تجاوزات في القضاء والمحاكمات.

ثانيًا:

زعم العنبري أن معاوية رضي الله عنه، وهو الصحابي الجليل، وخال المؤمنين، وكاتب وحي رب العالمين، قد جار في حكمه وظلم، وأنه لما عهد لابنه يزيد أنه بهذا قد جعل الحكم موروثًا، وهذا طعن في هذا الصحابي الجليل واتهام له، وأنه ممن لم يحكم بما أنزل الله على مذهبه الباطل.

ونحن ولله الحمد نبرئ معاوية رضي الله عنه مما يتهمه به العنبري والروافض ومن أخذ مأخذهم وتأثر بشبهاتهم، ونقول إن عهد معاوية لابنه يزيد بالخلافة مع وجود الصحابة ومن هو خير من يزيد له اعتبارات سياسية وأمنية، وأنه فعل ما يسوغ له من العهد، وما أدى به إليه اجتهاده، حيث كان الوضع مضطربًا فلا بد من ولاية قوية قادرة على القضاء على ما قد يحدث من اختلاف، لا سيمًا وأن جيش الإسلام إذ ذاك وهو جيش الشام لم يكن يقبل بغير بني أمية، والله أعلم.

قال الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله: (والذي يظهر في فعل معاوية رضي الله عنه أنه فعله اجتهادا، والمجتهد لا يخلو من الأجر والأجرين، على أن هذا العمل ليس حكما بغير ما أنزل الله، إذ أنه لم يغير حكم الله في الخلافة، ولم يجعل هذا شرعا للناس، ولهذا لم يقل أحد من أئمة السلف في القديم والحديث عن معاوية بأنه حكم بغير ما أنزل الله، والله أعلم) .

فعلى العنبري أن يسارع في رجوعه عن اتهام معاوية رضي الله عنه وأن يتبرأ من هذا الكلام، وأيضًا فليخبرنا كيف فهم من عهد معاوية رضي الله عنه لابنه يزيد أنه قد جعل الحكم موروثًا؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت