الصفحة 9 من 15

وآفته من الفهم السقيم ... سوف أذكر في هذا الفصل أهم الشبه التي يوردها العنبري حول هذه القضية، ولم أقصد تتبع كل ما في كتاب العنبري من أخطاء وزلات فالكاتب ملئ بذلك وإنما أقتصر على أهمها خشية الإطالة ...

أولًا:

ذكر العنبري في كتابه [ص: 93] أن المبتدع والمشرع للقوانين مثلان لا يختلفان، وما يقال في هذا يقال في هذا، وذكر أن الحق الذي لا معدل عنه ولا محيص أن ينزل الحاكم بغير ما أنزل رب العالمين منزلة المبتدع في الدين.

والجواب على هذه الشبهة أن نقول:

يا عنبري ... قد جعلت البدعة قسمين: مكفرة تخرج صاحبها عن الإسلام، وغير مكفرة، فأخبرنا عن تشريع القوانين الوضعية من أي القسمين هو؟

وأخبرنا عن جملة ذكرتها في كتابك نقلتها عن الشاطبي رحمه الله ما معناها؟ وهذه الجملة هي قوله: (وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال مبين) اهـ، فما هو هذا الشيء الذي إن كان مقصودًا للمبتدع كفر؟

وسأجيب عن هذين السؤالين:

أما السؤال الأول وهو: هل تشريع القوانين الوضعية له حكم البدعة المكفرة أو غير المكفرة؟

فالجواب: أنه من البدع المكفرة ولا شك التي تخرج صاحبها عن الإسلام، وقد ذكر العنبري تعريفًا للبدعة المكفرة نقله عن الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله من كتاب"أعلام السنة المنشورة"، ولكنه تعريف مختصر، وهو: (من أنكر أمرًا مجمعًا عليه متواترًا في الشرع معلومًا من الدين بالضرورة لأن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله) اهـ

ثم زعم العنبري أنه لا ينطبق على الحاكم بغير ما أنزل الله إلا إذا جحد واستحل.

وسأذكر تعريفًا أوسع من هذا للبدعة وللشيخ الحكمي نفسه ثم ننظر هل ينطبق على مشرع القوانين، أم أن تشريع القوانين سوف يكون بدعة غير مكفرة كما يوهم العنبري؟

قال الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي رحمه الله في"معارج القبول" [1228 - 1229] : (فضابط البدعة المكفرة؛ من أنكر أمرًا مجمعًا عليه متواترًا من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، من جحود مفروض، أو فرض ما لم يفرض، أو إحلال محرم، أو تحريم حلال، أو اعتقاد ما ينزه الله ورسوله وكتابه عنه من نفي وإثبات، لأن ذلك تكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به رسله صلى الله عليه وسلم كبدعة الجهمية ... ) .

إلى أن قال: (ولكن هؤلاء منهم من علم أن عين قصده هدم قواعد الدين وتشكيك أهله فيه فهذا مقطوع بكفره، بل هو أجنبي عن الدين من أعدى عدو له، وآخرون مغرورون ملبس عليهم فهؤلاء إنما يحكم بكفرهم بعد إقامة الحجة عليهم وإلزامهم بها ... وأما القسم الثاني: البدع التي ليست بمكفرة وهي ما لم يلزم منه تكذيب بالكتاب ولا بشيء مما أرسل الله به رسله كبدع المروانية التي أنكرها عليهم فضلاء الصحابة ... الخ) .

فهذا التقسيم من الشيخ الحكمي رحمه الله وهذا التفصيل في البدع المكفرة يبين لنا في أي موضع سوف نضع المشرعين للقوانين وبأي حكم سوف نحكم عليهم، فهل القوانين الوضعية إلا إحلال محرم أو تحريم حلال أو فرض ما لم يفرض؟!

وأما الجواب عن السؤال الثاني؛

فأقول: إن العلماء لم يطلقوا القول بتكفير المبتدع وإن كان مشرعًا لأنه لم يقصد التشريع ومحاداة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنما قد يكون له قصد حسن، وهو غالبًا متأول مستدل بأن البدع تنقسم إلى حسنة وسيئة - كما يزعم - ولهذا القصد وهذا التأويل لم يطلق العلماء القول بتكفير المبتدع، وهذا هو معنى قول الشاطبي الآنف الذي ذكره العنبري وهو لا يعرف معناه.

فالإمام الشاطبي رحمه الله يذكر أن المبتدع معاند للشرع ومشاق له ومستدرك عليه، وأن هذا الشقاق والعناد والاستدراك إن كان مقصودًا للمبتدع لكان كفرًا بالشريعة والشارع، وذلك لأن معاندة الشرع ومشاقاته والاستدراك عليه كفر أكبر.

وإن كان غير مقصود كأن يكون فعله بتأويل فاسد أو برأي غالط فهو ضلال مبين وليس كفرًا لوجود المانع وهو التأويل والشبهة.

ولزيادة البيان حول هذا، إليك ما قال الشاطبي رحمه الله في"الاعتصام" [2/ 544] : (إن كل بدعة وإن قلت فهي تشريع زائد أو ناقص، أو تغيير للأصل الصحيح، وكل ذلك قد يكون على الإنفراد، وقد يكون ملحقًا بما هو مشروع فيكون قادحًا في المشروع، ولو فعل أحد مثل هذا في نفس الشريعة عامدًا لكفر، إذ الزيادة والنقصان فيها أو التغيير قل أو كثر كفر، فلا فرق بين ما قل منه وما كثر، فمن فعل ذلك بتأويل فاسد أو برأي غالط رآه، أو ألحقه بالمشروع إذا لم تكفره لم يكن في حكمه فرق بين ما قل منه وما كثر) اهـ.

فانظر إلى هذا التوضيح البديع من العلامة الشاطبي رحمه الله، ونظرًا لأهمية معرفة قصد المبتدع، فقد نص عليه الشاطبي في تعريف البدعة، حيث قال: (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه) .

فهل يكون للمشرع نفس هذا الحكم مع اختلاف المقصد؟! ... فالمبتدع غالبًا يقصد التقرب إلى الله والتعبد له، وأما المشرع المستبدل للشريعة فليس له هذا القصد وبهذا تزول هذه الشبهة ونعرف ما هو الفرق بين المبتدع والمشرع، وهل التشريع بالمعنى الذي عليه القوانين الوضعية من البدع المكفرة أمر لا؟ - إن قلنا أن المشرع مبتدع -

ثانيًا:

ومما يستدل به العنبري وأمثاله؛ قصة النجاشي رحمه الله، فزعم العنبري أن النجاشي قد حكم بغير ما أنزل الله ولم يكفره النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه يقول: يلزم من قولكم تكفير هذا العبد الصالح.

والجواب عن هذه الشبهة أن نقول: نحن لا نكفر النجاشي رحمه الله، ولكن هل تحكمون عليه أنتم أنه ظالم فاسق؟ فهذا يلزم من استدلالكم به علينا، فأنتم تقولون؛ أن الحاكم بغير ما أنزل الله ظالم وفاسق، فهل النجاشي كذلك؟ فإما أن تلتزموا بهذا أو تبرئونه من الظلم والفسق كما نبرئه نحن من الكفر لأنه معذور بذلك.

ووجه ذلك من أمور:

الأمر الأول:

أن النجاشي كان عاجزًا عن إقامة حكم الله في الحبشة، وتكليفه بهذا وهو خارج عن طاقته ووسعه مخالف لشريعة الله التي رفعت التكليف إن كان لا يطاق قال تعالى: {لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها} [البقرة: 288] ، والعنبري نفسه قد نقل قول شيخ الإسلام في كون النجاشي عاجزًا عن إقامة حكم الله.

قال ابن تيمية رحمه الله: (ونحن نعلم قطعًا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن ... والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن فإن قومه لا يقرون على ذلك) [منهاج السنة 5/ 112 - 113] اهـ.

فكيف يقاس من هذه حالة على من أكثر شعبة مسلمون، ويطالبونه ليل نهار بتطبيق الشريعة وقد توفرت لديه كافة الإمكانيات؟ لا شك أنه قياس ظالم جائر.

الأمر الثاني:

إن النجاشي رحمه الله كان في بيئة بعيدة عن العلم وهذا أمر معلوم، وأهل السنة والجماعة يعذرون من كان في بيئة بعيدة عن العلم كالنجاشي في أمور لا يعذرون بها الإنسان الذي يعيش في الإسلام وبين العلماء، فلم يبلغ النجاشي الكثير من الأحكام، فلم تبلغه مثلًا سورة المائدة التي حكم الله فيها على الحاكمين بغير شريعته بالكفر والفسق والظلم لأنها نزلت بالسنة العاشرة من الهجرة فهي آخر سورة نزلت من القرآن، والنجاشي قد توفي قبل فتح مكة [البداية والنهاية 4/ 276] ، فكيف يقاس النجاشي رحمه الله بمن يطالبه العلماء ليل نهار بتطبيق الشريعة ويبينون له وجوب تطبيقها، وعظم جرم مخالفتها؟ لا شك أنه قياس ظالم جائر.

الأمر الثالث:

أن النجاشي رحمه الله توفي قبل اكتمال الشريعة، وأيضًا لم يبلغه من الأحكام الشيء الذي يستطيع به أن يفصل بين الناس في دماءهم وأعراضهم وأموالهم، فبأي شريعة كان سيحكم بها الناس لو قلنا أنه قادر على تطبيقها؟

إذا عرفت هذا عرفت سذاجة وسماجة هذا القياس بين النجاشي وبين أقوام بين أيديهم شريعة شاملة كاملة، لا شك أنه قياس ظالم جائر.

الأمر الرابع:

أن النجاشي رحمه الله قد قام بكل ما أمره الله جل وعلا، فقد أوى المؤمنين وصدع بالتوحيد، وبين صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وبعث رسالة يبين فيها أنه مستعد أن يهاجر ويترك ملكه وما هو فيه ويأتي للنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا معلوم من كتب السيرة، ومن رسالته التي بعثها لنبي صلى الله عليه وسلم.

أفيقاس هذا الرجل الصالح المقبل على الله الناصر لدين الله المتجرد عن دنياه بهؤلاء المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، المنغمسين في ظلمات الجهل والهوى؟ لا شك أنه قياس ظالم جائر.

ومن هذه الأمور التي ذكرت يتبين لك بشاعة وشناعة هذه الشبهة، وإلى هنا أكون قد بنيت أهم الشبهة الذي ذكرها العنبري وبنى عليها قوله، وألف عليها كتابه:

-الأولى؛ في مطلبه العزيز وزعمه الإجماع على أن الحاكم بغير ما أنزل الله لا يكفر إلا إذا جحد واستحل سواء في ذلك المشرع وغيره، فبينت أن ما نقله من أقوال أهل العلم ينزل على القضايا الخاصة لا التشريعات العامة، وأن التشريع العام واستبدال الشرع كفر أكبر بالإجماع.

-والثانية؛ في زعمه أن المشرع والمبتدع مثلان لا يختلفان.

-والثالثة؛ في زعمه أن النجاشي رحمه الله كان يحكم بغير ما أنزل الله في العهد النبوي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكفره مستدلًا بذلك على عدم تكفير أرباب القوانين وحكامها موهمًا أن لهما نفس الحكم.

ثالثًا:

ومما تعرض له العنبري في كتابه [ص: 103] تفسير قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} [النساء: 6] .

ولما لم يجد العنبري في تفسير هذه الآية ما يخدم مذهبه قال إنه: (لا إشكال فيها، فهي تصف حال المنافقين إزاء حكم الشريعة الغراء) .

ونقول للعنبري؛ نعم هي تصف حال المنافقين تجاه الشريعة، حيث يريدون أن يتحاكموا إلى غيرها من حكم الطاغوت، ولكن أليس فيها تكفير لهم بهذا وتكذيب لما زعموه من الإيمان بسبب هذه الإرادة، وانهم لم يكفروا بالطاغوت؟

قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله: (فمن خالف ما أمر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم بأن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله، أو طلب ذلك اتباعا لما يهواه ويريده فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، وإن زعم أنه مؤمن، فإن الله تعالى أنكر على من أراد ذلك، وأكذبهم في زعمهم الإيمان لما في ضمن قوله {يزعمون} من نفي إيمانهم، فإن {يزعمون} إنما يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب لمخالفته لموجبها وعمله بما ينافيها، يحقق هذا قوله: {وقد أمروا أن يكفروا به} ، لأن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد، كما في آية البقرة، فإن لم يحصل هذا الركن لم يكن موحدا، والتوحيد هو أساس الإيمان الذي تصلح به جميع الأعمال وتفسد بعدمه، كما أن ذلك بين في قوله تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} وذلك أن التحاكم إلى الطاغوت إيمان به) [فتح المجيد: 345] .

وقال العلامة الشوكاني في تفسيره [فتح القدير1/ 722] : (قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون} فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاءوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها، ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلا وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله وعلى من قبله أن يكفروا به) .

وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله: (ومن أوضح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب، وذلك في قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون ... الآية} ) [أضواء البيان4/ 91] .

وقال الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله: (وقد نفى الله الإيمان عن من أراد التحاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من المنافقين، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} ، فإن قوله عز وجل {يزعمون} تكذيب لهم فيما ادعوه من الإيمان، فإنه لا يجتمع التحاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مع الإيمان في قلب عبد أصلا، بل أحدهما ينافي الآخر، والطاغوت مشتق من الطغيان وهو: مجاوزة الحد، فكل من حكم بغير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم أو حاكم إلى غير ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فقد حكم بالطاغوت وحاكم إليه ... فمن حكم بخلافه أو حاكم إلى خلافه فقد طغى وجاوز حده حكما أو تحكيما فصار بذلك طاغوتا لتجاوزه حده) [تحكيم القوانين3] .

رابعًا:

ومما تعرض له العنبري أيضا [ص: 105] قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] ، حيث زعم أن الآية لا تدل على نفي الأيمان وإنما تنفي كماله، وذكر أنه لم يجد من المفسرين من تجاسر على القول بنفي أصل الإيمان، وذلك لأن سبب نزول الآية يأباه - سبب نزول الآية؛ ما جاء في الصحيحين من قصة تخاصم الزبير ورجل من الأنصار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه قال الأنصاري لما حكم بينهما النبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله أن كان ابن عمتك) - [وانظر البخاري 2359 ومسلم 2357] .

والجواب على ذلك: أما أنه لم يقل به أحد فليس بصحيح.

فقد قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله في"الفصل" [3/ 195] : (فنص تعالى وأقسم بنفسه أنه لا يكون مؤمنا إلا بتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما عنّ، ثم يسلم بقلبه ولا يجد في نفسه حرجا مما قضى فصح أن التحكيم شيء غير التسليم بالقلب، وأنه هو الإيمان الذي لا إيمان لمن لم يأت به) .

وقال أيضا: (فهذا هو النص الذي لا يحتمل تأويلا ولا جاء نص يخرجه عن ظاهره أصلا، ولا جاء برهان بتخصيصه في بعض وجوه الإيمان) [الفصل: 3/ 249] .

وقال الشيخ محمد بن ابراهيم رحمه الله مستدلا على كون تحكيم القانون اللعين من الكفر الأكبر المستبين: (وقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عمن لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم نفيا مؤكدًا بتكرار أداة النفي وبالقسم) [تحكيم القوانين:1] .

وأما أن سبب نزول الآية يأباه فليس بصحيح أيضا، لأنه ليس فيه أن الأنصاري أصر على اعتراضه ولم يتب حتى يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم عليه بالردة فلا يستقيم القول بأن النفي في الآية لكمال الإيمان إلا مع تقدير أن هذا الصحابي الأنصاري، والذي يجزم العنبري بكونه بدريًا، أصر على اعتراضه على حكم الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يتب منه، وهل يظن هذا بأحد من الصحابة فضلا أن يكون من البدريين، أم يظن الصحابي وخاصة بعد نزول الآية أنه تاب ورضي بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال ابن حزم رحمه الله: (حتى إذا بين الله تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم وجب أن من وقف على هذا قديما وحديثا وإلى يوم القيامة فأبى وعند فهو كافر وليس في الآية أن أولئك عندوا بعد نزول هذه الآية) [المحلى: 11/ 202] .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في"الفتح" [5/ 44] : (ويحتمل أنه لم يكن منافقا ولكن صدر منه بادرة النفس كما وقع لغيره ممن صحت توبته، وقوى هذا شارح"المصابيح"التوربشتي ووهى ما عداه) .

خامسًا:

ومن الأمور العجيبة عند العنبري هذا، ما ذكره في كتابه [ص: 112] في تفسير قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21] ، حيث ذكر أن للمفسرين في هذه الآية قولين كليهما لا يساعد العصريين على ما ذهبوا إليه، ثم ذكر أنه ظل يتعجب زمانًا من أين انتزع المعاصرون من الآية أن كل من شرع أو حكم بغير ما أنزل الله فهو مشرك، وبعد هذا التعجب ذكر أنه وقف على تفسير ثالث لهذه الآية، ذكره أبو حيان ثم أعقبه بقول القرطبي، وذلك أنه نحوه.

فبالله عليك يا عنبري أتعبك البحث في تفسير هذه الآية، وظللت زمانًا تتعجب وأنت لم تقرأ تفسير القرطبي لها، فأين بحثت إذًا؟!

وعلى كل، فلو أمعن العنبري النظر في التفاسير التي نقلها، وخاصة ما نقله عن ابن كثير لعلم أنه يهرف بما لا يعرف، ولن أناقشه في نقولاته وما ذكر من الأقوال، ولكن أريح نفسي وأريحه، وأريح القراء باستدلال بعض العلماء المتقدمين والمتأخرين لهذه الآية على كفر المشرعين ومن هؤلاء:

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته التسعينية المطبوعة في الفتاوى الكبرى، وقد تقدم ذكره، وأعيد هنا حيث قال: (والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله ورسوله وشرع ذلك دينًا فقد جعل لله ندًا ولرسوله نظيرًا بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله ندًا، أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب وهو ممن قيل فيه: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ) [الفتاوى الكبرى: 6/ 339] .

فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله وقد تقدم قوله وأعيده هنا، قال في فقه العبادات [ص: 60] : (القسم الأول؛ أن يبطل حكم الله ليحل محله حكم آخر طاغوتي، بحيث يلغي الحكم بالشريعة بين الناس، ويجعل بدله حكم آخر من وضع البشر كالذين ينحون الأحكام الشرعية في المعاملة بين الناس، ويحلون محلها القوانين الوضعية، فهذا لا شك أنه استبدال بشريعة الله سبحانه وتعالى غيرها، وهو كفر مخرج عن الملة، لأن هذا جعل نفسه بمنزلة الخالق حيث شرع لعباد الله ما لم يأذن به الله تعالى ذلك شركًا في قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله} اهـ.

وأقول:

وكم من معيب قولًا صحيحًا

سادسًا:

ومن مغالطات العنبري أيضًا ما قاله في تفسير قوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} حيث نقل [ص: 119] تفسير سيد قطب رحمه الله لها، حيث يقول: (إن من أطاع بشرًا في شريعة من عند نفسه ولو في جزئية صغيرة؛ فإنما هو مشرك، وإن كان في الأصل مسلمًا ثم فعلها؛ فإنما خرج بها من الإسلام إلى الشرك أيضًا، مهما بقي بعد ذلك يقول: أشهد أن لا إله إلا الله بلسانه، بينما هو يتلقى من غير الله ويطيع غير الله) .

ثم قال العنبري: (والحق أن مثل هذا التفسير الحروري الخارجي كان سببًا في انحراف كثير من الشباب وتجاسرهم على تكفير المجتمعات المسلمة، ألا فليحذر الذين يقرأون في"الظلال"من مثل هذه الانحرافات الخطيرة المدمرة) .

فأقول: رحم الله سيدًا ما كان أغيره على الدين ...

وأقول للعنبري؛ هل تجرؤ أن تقول عن الشيخ الشنقيطي مثلما قلت في تفسير سيد قطب، وقد كان كلامه أشد حيث يقول: (أنه لا يشك في كفرهم وشركهم إلا من طمس الله بصيرته) ، وحيث جعلهم كمن يعبد الصنم ويسجد للوثن؟ فدع عنك هذه الجرأة يا عنبري واعرف قدر نفسك.

وأقول أيضًا: لم يفرق العنبري بين الطاعة في التشريع والطاعة في المعصية، فهناك فرق بين من يطيع غير الله في التشريع فيحلل الزنا والربا، وبين من يطيع غير الله في الفعل والمعصية كأن يزني ويرابي طاعة لغير الله.

فالأول؛ شرك وكفر، وعليه ينزل قول الشيخ الشنقيطي، وقول سيد قطب رحمهما الله ومن هؤلاء أصحاب القوانين الوضعية حيث أخذوا قوانين الغرب فحللوا ما حللت، وحرموا وما حرمت، وطبقوها على الناس وألزموهم بها.

والثاني - أعني الطاعة في الفعل -؛ معصية وليس بكفر حتى يستحله، وهذا القسم هو ما يتحدث عنه ابن العربي - كما نقل كلامه العنبري - حيث يقول رحمه الله: (إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في اعتقاده الذي هو محل الكفر والإيمان، فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد والتصديق فهو عاص فافهموا ذلك في كل موضع) [أحكام القرآن: 2/ 752] .

فتأمل قوله:"إذا أطاعه في الفعل"فهل له نفس حكم من أطاعهم في الفعل والقول والتحكيم، وطبق ذلك على العباد وألزمهم به، وعاقب المخالف له؟!

وأما الطاعة في نفس التحليل والتحريم؛ فهذا شرك ولا ريب.

قال العلامة الشنقيطي رحمه الله في تفسير الآية: (فهو قسم من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك وهذا الشرك مخرج من الملة بإجماع المسلمين) [أضواء البيان: 3/ 400] .

وهذا المعنى واضح أيضًا من كلام القرطبي الذي ذكره العنبري، حيث يقول: (دلت الآية على أن من استحل شيئًا مما أحل الله صار به مشركًا، وقد حرم سبحانه الميتة نصًا، فإذا قبل تحليلها من غيره فقد أشرك) .

وأيضًا هذا المعنى واضح من قول الزجاج الذي ذكره العنبري، حيث يقول في قوله تعالى: ( {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} ، دليل على أن كل من أحل شيئًا مما حرم الله تعالى أو حرم شيئًا مما أحل الله تعالى فهو مشرك وإنما سمي مشركًا لأنه أثبت حاكمًا سوى الله تعالى وهذا هو الشرك) .

فلا شك أن طاعة غير الله فيما يخالف شرع الله معصية لا يكفر فاعلها إلا بالاستحلال، أما تحليل الحرام وتحريم الحلال شرك أكبر وكفر بالله لا يشترط له الاستحلال.

قال العلامة ابن حزم رحمه الله: (فمن أحل ما حرم الله تعالى وهو عالم بأن الله تعالى حرمه فهو كافر بذلك الفعل نفسه) [الفصل: 3/ 204] .

سابعًا:

ذكر العنبري في كتابه [ص: 134] قول شيخ الإسلام: (معلوم بالاضطرار من دين المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر) .

ثم قال العنبري: (وهو صريح الدلالة على كفر من استباح فقط ففي المصباح المنير: ساغ فعل الشيء بمعنى الإباحة وتعدى بالتضعيف فيقال سوغته أي أبحته) اهـ.

والجواب على ذلك أن نقول: إن المسائل الشرعية لا تبحث بهذه الطريقة وكلام أهل العلم لا يفسر بهذه الطريقة.

ثم إن الإباحة ليست الاستحلال القلبي كما يوهم العنبري فالإباحة هي الإعلان والإذن بالشيء، تقول: أباح الرجل ماله بمعنى أذن في الأخذ والترك، والمباح في الشرع هو المأذون فيه حيث لم يتعلق به أمر ولا نهي لذاته.

وعليه فمعنى سوغ اتباع غير دين الإسلام أي أباحه بمعنى أذن فيه، ولا يلزم من الإباحة الاستحلال، فهذا العنبري يقرر في كتابه أن من أباح ما حرم الله لا يكفر حتى يستحل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت