بيان بعض الشبه حول هذا الموضوع والرد عليها؛ أولًا: قول السلف:"ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله"
كثير من الناس يستدل بهذه القاعدة على عدم تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله لأن الحكم بغير شريعة الله أو الحكم بالقوانين الوضعية ذنب، وأهل السنة لا يكفرون بالذنب إلا بالاستحلال، وهؤلاء لم يفهموا مراد السلف من هذه المقولة وهو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب بل إن بعضهم قد سحب هذه القاعدة على الشرك الأكبر والمكفرات كسب الرب، وسب الرسول صلى الله عليه وسلم والسجود للصنم ونحو ذلك، وسأورد بعض أقوال السلف والعلماء في أن المقصود بها الذنوب دون الشرك والمكفرات التي يكفر بمجرد ارتكابها، ثم اذكر بعض المكفرات التي نصوا على كفر مرتكبها وإن لم يستحل.
قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه في"كتاب الإيمان": (باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك) .
وقال العلامة السفاريني رحمه الله في"لوامع الأنوار" [367 - 368] : (والمراد أن الإنسان لا يخرج من الإيمان بملابسته وإتيانه بموبقات الذنوب التي هي أكبر من الكبائر و"أل"في الذنب للجنس والاستغراق فيشمل كل الذنوب والعصيان دون الشرك بالله تعالى والكفر به بأي نوع من أنواع المكفرات فإن ذلك يخرجه من الدين بيقين) .
وقال الشيخ حافظ الحكمي: (والثالثة: أن فاسق أهل الملة الإسلامية لا يكفر بذنب دون الشرك ولوازمه إلا إذا استحله) [معارج القبول: 1400] .
وقال رحمه الله: (ولا نكفر بالمعاصي التي قدمنا ذكرها وأنها لا توجب كفرًا والمراد بها الكبائر التي ليست بشرك ولا تستلزمه ولا تنافي اعتقاد القلب ولا عمله) [معارج القبول: 1039] .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور) [الفتاوى: 7/ 302] .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في كتابه"تحفة الطالب والجليس" [41 - 42] :(من أعرض عن كلام أهل العلم ورأى أن من صلى أو قال لا إله إلا الله فهو من أهل القبلة وإن ظهر منه من الشرك والترك لدين الله ما ظهر فقد نادى على نفسه بالجهالة والضلالة، وكشف عن حاصله من العلم والدين بهذه المقالة، وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله قول القائل: لا نكفر أهل القبلة وهذا يزعم - يعني ابن جرجيس - أنه على مذهب الإمام أحمد.
ومقصود من قالها إنما هو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفرون بمجرد الذنوب، وهذا وضع كلامهم في غير موضعه وأزال بهجته لأنه تأوله في أهل الشرك، ودعاء الصالحين، فالتبس عليه الأمر، ولم يعرف مراد من قال هذا من السلف، وهذا الفهم الفاسد مردود بكتاب الله ورسوله وبإجماع أهل العلم.
وقد عقد الفقهاء من أرباب المذاهب بابًا مستقلًا في هذه المسألة، وذكروا حكم المرتد من أهل القبلة من المكفرات أشياء كثيرة دون ما نحن فيه، وجزموا بأن العصمة بالتزام الإسلام ومبانيه ودعائمه العظام لا بمجرد القول أو الصلاة مع الإصرار على المنافي، وهذا يعرفه صغار الطلبة، وهو مذكور في المختصرات من كتب الحنابلة وغيرهم، فهذا لم يعرف ما عرفه صبيان المدارس والمكاتب فالدعوى عريضة والعجز ظاهر)اهـ.
وقال الشيخ رحمه الله في"الإتحاف في الرد على الصحاف": (وبقي قسم خامس وهم الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب كالسرقة والزنا وشرب الخمر، وهؤلاء هم الخوارج وهم عند أهل السنة ضلال مبتدعة قاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الحديث قد صح بالأمر بقتالهم والترغيب فيه، وفيه"أنهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، وقد غلط كثير من المشركين في هذه الأعصار وظنوا أن من كفر من تلفظ بالشهادتين فهو من الخوارج وليس كذلك، بل التلفظ بالشهادتين لا يكون مانعًا من التكفير إلا لمن عرف معناهما، وعمل بمقتضاهما وأخلص العبادة لله ولم يشرك به سواه فهذا تنفعه الشهادتان) [الإتحاف: 32 - 33] .
فهذه بعض الأقوال لأهل العلم في كون هذه القاعدة وهي أنه لا يكفر بالذنب إلا بعد الاستحلال لا تنطبق على الشرك الأكبر والكفر بالله سبحانه وتعالى، وقد تقدم في أول الكتاب أن التشريع من دون الله شرك أكبر، وعليه فلا يستقيم الاستدلال بهذه القاعدة في هذا المجال.
وإليك أمثلة لأقوال وأعمال نص السلف على تكفير قائلها أو مرتكبها بالخروج عن الإسلام وإن لم يستحل:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (إن سب الله أو سب رسوله كفر ظاهرًا وباطنًا سواء كان الساب يعتقد أن ذلك محرم، أو كان مستحلًا له أو كان ذاهلًا عن اعتقاده، هذا مذهب الفقهاء وسائر أهل السنة القائلين بأن الإيمان قول وعمل) [الصارم المسلول 512] .
وروى اللالكائي في"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" [4/ 849] عن أبي ثور رحمه الله، أنه قال: (ولو قال المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام، وقال لم يعتقد قلبي على شيء من ذلك؛ أنه كافر بإظهار ذلك وليس بمؤمن) .
وقال ابن نجيم في"البحر الرايق" [5/ 134] : (إن من تكلم بكلمة الكفر هازلًا أو لاعبًا كفر عند الكل ولا اعتبار باعتقاده) .
وذكر الإمام محمد بن نصر المروزي في"تعظيم قدر الصلاة" [2/ 93] عن اسحق بن راهويه أنه قال: (ومما أجمعوا على تكفيره وحكموا عليه كما حكموا على الجاحد، فالمؤمن الذي آمن بالله تعالى ومما جاء من عنده ثم قتل نبيًا أو أعان على قتله ويقول قتل الأنبياء محرم فهو كافر) .
وقال ابن قدامة رحمه الله في"المغني" [10/ 106] : (قال أصحابنا: ويكفر الساحر بتعلمه وتعليمه وفعله سواء اعتقد تحريمه أو إباحته) .
وروى الخلال بسنده إلى الحميدي، قال: (وأخبرت أن قوما يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج، ولم يفعل من ذلك شيئا حتى يموت، أو يصلي مسند ظهره، مستدبرا القبلة حتى يموت فهو مؤمن، ما لم يكن جاحدا إذا علم أن تركه ذلك في إيمانه، إذ كان يقر الفروض واستقبال القبلة، فقلت: هذا الكفر الصراح، وخلاف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفعل المسلمين) [السنة للخلال: 3/ 586] .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله في"كتاب السنة": (حدثنا سويد بن سعيد الهروي قال: سألنا سفيان عيينة عن الإرجاء فقال: يقولون الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرا بقلبه على ترك الفرائض وسموا ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم، وليس بسواء لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدا من غير جهل ولا عذر هو كفر، وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله وسلامه عليه وإبليس وعلماء اليهود، أنا آدم فنهاه الله عز وجل عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمدا ليكون ملكا أو يكون من الخالدين فسمي عاصيا من غير كفر، وأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدا فسمي كافرا، وأما علماء اليهود فعرفوا نعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي رسول كما يعرفون أبناءهم، وأقروا به باللسان، ولم يتبعوا شريعته فسماهم الله عز وجل كفارا، فركوب المحارم مثل ذنب آدم عليه السلام وغيره من الأنبياء، وأما ترك الفرائض جحودا فهو كفر إبليس لعنه الله، وتركهم على معرفة من غير جحود فهو كفر مثل كفر علماء اليهود، والله أعلم) [السنة: 1/ 347] .
فهذه بعض الأمثلة في كون الاستحلال أو الاعتقاد لا يكون في المكفرات والشرك، وإنما هو في المعاصي كالزنا وشرب الخمر وأكل الربا، ومن أراد الاستزادة فليراجع ما ألف في حكم المرتد من كل مذهب، وما ألف في الإيمان لا سيما كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.