الصفحة 5 من 15

لقد شغب العنبري وأمثاله على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله زاعمين أنه لا فرق عنده بين القضايا المعينة والتشريع العام، والحق أن كلام شيخ الإسلام رحمه الله واضح وصريح في التفريق بينهما.

وقبل أن أبين ذلك لا بد أن نعلم أنه لا بد من الجمع بين أقوال شيخ الإسلام جميعها والتوفيق بينها، وإجراء أصول فهم الكلام عليها من تقديم المنطوق على المفهوم والمبين على الجمل، ونحو ذلك، وأي فهم يخالف هذه الأصول فهو فهم خاطئ ومردود.

ولقد فهم العنبري أن شيخ الإسلام لا يكفر إلا من استحل الحكم بغير شريعة الله، أو لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، واستدل بقوله رحمه الله في"منهاج السنة" [5/ 130] : (لا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر) إلى أن قال: (فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار وإلا كانوا جهالا) .

واستدل بقوله كما في الفتاوى [3/ 267] : (والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين: {ومن يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله) اهـ.

فشيخ الإسلام رحمه الله في هذين الموضعين نص على أن من استحل الحكم بغير ما أنزل الله، أو لم يعتقد وجوبه، أو حلل الحرام، أو حرم الحلال، أو بدل الشرع مستحلًا كفر، وهذا أمر متفق عليه، ولكن ليس في كلامه أن من فعل هذا من غير استحلال أنه لا يكفر، فهؤلاء فهموا من كلام شيخ الإسلام أنه لا فرق عنده بين القضايا المعينة والتشريعات العامة، وأن حكمها عنده واحد، وهو أن فاعلها لا يكفر إلا بالاستحلال، وهذا الفهم خاطئ ومردود لأنه معارض لنصوص صريحة لشيخ الإسلام.

فقد قال رحمه الله: (فإن الحاكم إذا كان دينًا لكنه حكم بغير علم كان من أهل النار، وإن كان عالمًا لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه كان من أهل النار، وإذا حكم بلا عدل ولا علم كان أولى أن يكون من أهل النار، وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكمًا عامًا في دين المسلمين، فجعل الحق باطلًا، والباطل حقًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، ونهى عما أمر الله به ورسوله، وأمر بما نهى الله عنه ورسوله فهذا لون آخر يحكم فيه رب العالمين وإله المرسلين مالك يوم الدين) [35/ 388] اهـ.

فهذا كلام شيخ الإسلام صريح في التفريق بين القضية المعينة والتشريع العام، فمن فهم غير هذا فهو مخطئ وكلامه مردود، فيجب تقديم هذا المنطوق على ما قد يفهم من كلامه في المواضع الأخرى.

وفرق شيخ الإسلام أيضًا في موضع آخر حيث يقول في"المنهاج" [5/ 131] : (فمن لم يلتزم بحكم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنه لا يؤمن، وأما من كان ملتزمًا لحكم الله باطنًا لكنه عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العصاة) .

فانظر كيف جعل الذي بمنزلة غيره من العصاة هو الذي يلتزم حكم الله باطنًا وظاهرًا فهل محكموا القوانين الوضعية ملتزمون بحكم الله ظاهرًا حتى يقال إنهم كالعصاة وإن عملهم معصية لا يكفرون إلا باستحلالها؟!

بل إليك هذا النص الصريح من شيخ الإسلام في حكم المشرعين حيث يقول في رسالته"التسعينية": (والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله، فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله ورسوله وشرع ذلك دينًا فقد جعل لله ندًا ولرسوله نظيرًا بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله ندًا، أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب وهو ممن قيل فيه: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ) أهـ [أنظر الفتاوى الكبرى: 6/ 339] .

فانظر كيف جعلهم بمنزلة المرتدين والمشركين، ولم يفصل ويفرق بين ما استحل ولم يستحل وبهذا نعلم ويتبين لنا قول شيخ الإسلام في هذه القضية.

ولم يتطرق العنبري بطبيعة الحال لكلام شيخ الإسلام في الفتاوى في تفريقه بين القضية المعينة والتشريع العام لأنه غير قابل للتأويل والمهاترة علمًا بأن المؤلفين الذين رد عليهم العنبري في كتابه جعلوا هذا القول من شيخ الإسلام عمدة كلامهم وقولهم.

ومما يستدل به العنبري [ص: 79] من كلام شيخ الإسلام ما جاء في الفتاوى [28/ 343] ، حيث قال رحمه الله: (واما المعاصي التي ليس فيها حد مقدر ولا كفارة كالذي يقبل الصبي والمرأة الأجنبية، أو يباشر بلا جماع، أو يأكل ما لا يحل كالدم والميتة ... أو يشهد الزور، أو يلقن شهادة الزور، أو يرتشي في حكمه، أو يحكم بغير ما أنزل الله أو يعتدي على رعيته، أو يتعزى بعزاء الجاهلية، أو يلبي داعي الجاهلية، إلى غير ذلك من المحرمات) .

هكذا نقله العنبري مبتورا فقطع المبتدأ عن خبره، ولو أكمل لتبين من المقصود بالذي يحكم بغير ما أنزل الله وأن المقصود به القاضي حيث قال شيخ الإسلام بعد ذلك:"فهؤلاء يعاقبون تعزيرًا وتنكيلًا وتأديبًا، بقدر ما يراه الوالي على حسب كثرة الذنب في الناس وقلته"، فمن يا ترى الذي يعاقب ويعزر ويؤدب بقدر ما يراه الوالي؟! ومن المعلوم أيضا أن القاضي لا يملك تغيير الأحكام وتبديلها وإنما عمله هو التطبيق فقط.

ومن هذا المثال تعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية أو غيره من العلماء قد يطلق القول بأن الحكم بغير ما أنزل الله معصية ولكنه يريد به الخلل في التطبيق لا تغيير الشرع وتبديله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت