الصفحة 3 من 15

هذا بحق فكيف المدعي زللا ... الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد ...

فهذا رد موجز ومناقشة سريعة لكتاب"الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير"لمؤلفه خالد بن علي العنبري، فقد خاض هذا الكاتب - هداه الله - بما لا يحسن، وقرر ما لا يعلم، واختلق أقوالًا على أناس لم تخطر ببالهم، وأساء فهمًا بأقوال آخرين، وزعم أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يكون كفرًا إلا بالإستحلال كسائر المعاصي، فلم يفرق بين صورة وصورة، فلم يفرق بين المشرع وغيره، بل عمم القول على ذلك، بل تجرأ وزعم الإجماع على ذلك، وهذا غاية في الإستخفاف بالعقول اضطر الكاتب معها إلى الكذب والتدليس وإغفال بعض الأقوال وبتر بعضها كما سيظهر.

أضف إلى ذلك ما ابتلي به هذا المسكين من الثناء على نفسه وبحثه، فنسأل الله العافية.

فخذ مثلًا قوله عن كتابه [ص: 10] : (ولا أحسب أن في الكتب المعاصرة من نسج على منواله في التجرد والموضوعية، والوقوف على النصوص القرآنية والحديثية بفهم سلف الأمة وأئمة أهل السنة) .

وخذ أيضًا قوله [ص: 19] : (لا ينبغي لمؤمن أن يخوض في مسائل التكفير من قبل أن يقف على أصوله، ويتحقق من شروطه وضوابطه، وإلا أورد نفسه المهالك والآثام وباء بغضب الرحمن، وذلك أن مسائل التكفير من أعظم مسائل الدين وأكثرها دقة لا يتمكن إلا الأكابر من أهل العلم الواسع والفهم الثاقب، وهذه أهم أصوله وضوابطه وشروطه ... ) .

إلى غير هذه من العبارات التي يشير بها الكاتب إلى سعة علمه واطلاعه، وكأنه بهذا يخاطب عميًا صمًا لا يفهمون الخطاب ولا يدركون مواطن الخلل، ولقد أحسن القائل:

ودعوة المرء تطفي نور بهجته

فمتى لقاء مشرق ومغرب ... فنسأل الله العافية.

ولم أقصد في هذا الرد تتبع كل ما في كتاب العنبري من أخطاء والرد عليها، وإنما اقتصرت على أهم مسألة تطرق لها الكاتب وهي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وإلا فهناك مسائل أخطأ الكاتب في تقريرها وتناقض فيها كما في كلامه على كفر العمل وزعمه أنه لا يخرج من الملة إلا إذا دل الجحود والتكذيب أو الاستخفاف والاستهانة والعناد.

قال الشيخ سليمان بن علوان حفظه الله: (وهذا مذهب غلاة المرجئة والجهمية كما تراه مبينا في كتب أئمة أهل السنة، كالسنة للخلال، والإبانة لابن بطة، ومؤلفات ابن تيمية، وغيرها كثير، ومن قبل قد كتب بعضهم كتابا أسماه"إحكام التقرير لأحكام مسألة التكفير"، فخاض بما لا يحسن، وقرر ما لا يعلم، وزعم أن تارك جنس العمل لا يكفر، فخالف بذلك الكتاب والسنة وما عليه أئمة السلف، والعجيب أنه نسب ما في كتابه من محض الآراء ومذاهب أهل الإرجاء إلى أئمة السلف حتى كاد ينقل الإجماع عليه، فانتدب لرد أباطيله وكشف تلبيساته وبيان جهله في هذه المسألة الكبيرة مجموعة من طلبه العلم، كما أصدرت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد برئاسة سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله بيانا في خطورة هذا الكتاب وتحريم بيعه وشرائه لما يشمل من العقائد الفاسدة، وتقرير مذهب المرجئة ولبس الحق بالباطل) ... وغير هذه من المسائل.

وقبل الشروع في الرد لا بد أن أبين أمورًا ثلاثة:

الأول:

إن منهج السلف أن من كفر أحدًا من هذه الأمة وهو مجتهد في تكفيره ومستدل بالنصوص وبأقوال أهل العلم؛ فإنه مأجور على كل حال.

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله في كتاب"الإتحاف في الرد على الصحاف" [ص: 30] : (وأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه، وقد رأى كفرًا بواحًا كالشرك بالله وعبادة ما سواه، والإستهزاء به تعالى أو بآياته أو رسله أو تكذيبهم أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحود الحق أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ونحو ذلك، فالمكفر بهذا وأمثاله مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله) اهـ.

فإذا عرفت هذا عرفت ضلال من يحكم على مخالفه في هذه المسألة بأنه خارجي أو تكفيري أو مبتدع، ويفسد بين شباب الأمة ويثير الفتن ويعقد الولاء والبراء على ذلك، بل بعضهم لا يفتأ يذكر ذلك حتى على صفحات الجرائد، ثم يزعم بعد ذلك ظلمًا وجورًا وبهتانًا أنه على منهج السلف والسلف ومنهجهم منه براء، كما قال الشاعر:

راحت مشرقة ورحت مغربا

الأمر الثاني:

على التسليم منا جدلًا للعنبري ومن يقول بقوله بأن الحاكم بالقوانين الوضعية لا يكفر إلا بالاستحلال، فهل فعلًا هؤلاء الحكام لا يستحلونها أو لا يرون أنها أفضل من حكم الله؟ هذا ما لا يسلم له بحال، كيف وهذه تصريحاتهم تملأ وسائل الإعلام ثناء على هذه القوانين الكافرة الظالمة وتنزيهًا لها، وكونها كفيلة بنشر العدل والأمن بين الناس، بل يصرحون أنهم يؤمنون بهذه الديمقراطية إيمانًا لا يتزعزع، بل يؤمنون بها شرعة ومنهاجًا، فهذا ظاهر أحوالهم وأقوالهم فهل نتكلف ونشق عن بطونهم أم نأخذهم على هذا الظاهر، وهذا ما أمرنا به؟

قال فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله:(هؤلاء الذين يقولون لا بد من الاعتقاد نرى أنهم أخطأوا، وذلك لأنا إذا رأينا إنسانًا يعمل عملا وهو لم يكره عليه، ولم يهدد بالقتل بل يعمله وهو مسرور به راض به منشرح الصدر له فإننا نحكم بأنه استحله، وأنه رآه أصلح وأحسن من غيره، فنحكم عليه بما يظهر لنا من فعله.

وأما إذا قال لنا جهرة أو خفية إنني غير مستحل له إنني أعمل به وأعتقد أنه لا يجوز ومع ذلك يطبقه ويميل إليه ويفضله على غيره ويعمل به علنا وجهرا فلا نصدقه في قوله إنه غير موقن به، بل نقول قد حكمت به واطمأننت إليه وعملت به عملا ظاهرا، فلا يقبل كلامك في أنك غير مستحل له، نحكم عليك بالظاهر أنك مستحل له ظاهرًا، وأما القلوب فليس لنا أن نفتشها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إني لن أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق عن بطونهم، أي فنحن نحكم عليه بما ظهر منه، فمن أظهر لنا خيرًا أحببناه على ذلك الخير، ومن أظهر لنا شرًا عاملناه بموجب ذلك الشر.

الحاصل؛ أن الذين يعملون به نحكم عليهم بأنهم مستحلون له لأنهم منشرحو الصدور له مطمئنون إليه، فهم من أهله نحكم عليهم بما يعملونه ظاهرا وباطنا فلا عبرة بكلامهم في أنهم ليسوا بمستحلين له، فالاستحلال هو العمل به ظاهرا وقد حصل منهم) [من شريط؛ أقوال العلماء في من بدل الشرع] .

قلت: إن القول بأن هؤلاء المستبدلين للقوانين الوضعية بكتاب الله لا يستحلونها ولا يرون أنها أفضل من حكم الله مكابرة عجيبة ومجادلة بالباطل إذ كيف يعتقدون بأن شريعة الله تجمع خيري الدنيا والآخرة، وأن في تحكيمها العدل والأمن والنصر والنجاة، وفي تركها الدمار والهلاك، ثم يتركونها إلى غيرها من قوانين البشر؟

الأمر الثالث:

مسألة الحاكمية من المسائل التي أخذت حقها من البحث، وألف فيها ما لا مزيد عليه وأقوال أهل العلم فيها واضحة وفي متناول الجميع، وأنا على يقين تام أن من تجرد للحق فلا بد أن يوفق إليه، ولم أكتب هذا الرد إلا بعد أن طلب مني ذلك، وبعد أن رأيت تأثر البعض بهذا الكتاب وتبجحهم بأنه لم يرد عليه أحد، فكتبت هذا الرد مستعينًا بالله متوكلًا عليه من غير توسع في ذكر الأدلة وأقوال العلماء لأن شبه العنبري هي شبه أسلافه فليس له إلا الصياغة والتهويل، ومن أراد الاستزادة فليراجع ما ألف في هذه المسألة.

والله الموفق وهو الهادي وآخر دعواي: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، عالم الغيب والشهادة فاطر السماوات والأرض، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، واهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

والحمد لله رب العالمين

كتبه؛ محمد بن عبد الله الحصم

الكويت / الدوحة 15/ 11/1418 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت