ولا تزال هناك آثار شاخصة تومئ إلى حياة الرفاهية والثروة الكبيرة التي كانت تتمتع بها هاتان المدينتان. ومن مدين يواصل الطريق مسيره إلى أيله
(العقبة حاليا ً) ثم بعد ذلك إلى البتراء عاصمة دولة الأنباط, ثم يتفرع إلى فرعين, أحدهما يتجه إلى تدمر في الشمال, والآخر يتجه صوب الغرب مع ميل خفيف باتجاه الشمال الغربي حيث يصل إلى غزة على الشاطئ الفلسطيني [1] وعلى هذا الطريق كانت تسير قوافل قريش قبل الإسلام في رحلتيها المشهورتين, إحداهما في الشتاء إلى اليمن والأخرى في الصيف إلى الشام [2] .
وهناك واحة العلا (ديدان) والتي تقع شمال المدينة المنورة وتبعد عنها حوالي ثلاثمائة وخمسين كيلًا. ويرجع تاريخ حضارة هذه المنطقة إلى قبيل القرن السادس قبل الميلاد. وقد تحدث العلماء عن الفترة الأولى وأطلقوا عليها اسم ديدان, وجعلوا فترة حكمها تمتد من نهاية القرن السابع حتى بداية القرن الخامس قبل الميلاد واعتمدوا في ذلك على تكرر لقب ملك ددن في بضعة نقوش, ثم أصبحت مملكة لحيان هي المسيطرة منذ القرن الخامس قبل الميلاد, وحتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد. ويعتقد أن الفترة الديدانية يمكن أن نسميها فترة لحيان الأولى, وكانت الدولة فيها تنتمي إلى المكان لشهرته ... ولمركزه الديني, ثم تحول اسم الدولة إلى اسم القبيلة «لحيان» عندما توسع نفوذها, ويمكن تسميتها لحيان الثانية, وأصبحت تحكم مابين دومة الجندل شرقًا وساحل البحر الأحمر الشمالي حتى خليج العقبة الذي سمي باسمها, فقد كان
(1) يحيى 1979: 314 - 315.
(2) السعود 1996: 101.