فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 89

المضاربة [1] دفع المال إلى من يتجر فيه بجزء من ربحه، فهي عقد يجمع بين طرفين: أحدهما يملك المال ولا يحسن التجارة والآخر يحسن التجارة ولا يملك المال، فيتحقق التكامل بينهما من خلال هذا العقد.

اتفق أهل العلم على مشروعية المضاربة، والأصل في هذه المشروعيةالسنة التقريرية وإجماع الأمة على ذلك.

فمن السنة ما روي: أن العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أن لا يسلك به بحرا ولا ينزل به واديا ولا يشتري به ذات كبد رطبة فإن فعل فهو ضامن فرفع شرطه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأجازه [2]

ومن الآثار ما روي: أن عمر بن الخطاب أعطى رجلا مال يتيم مضاربة وكان يعمل به بالعراق [3] ، وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام، أنهما قارضا (أي عملا بالمضاربة) ، ولا مخالف لهما في الصحابة، فصار إجماعا.

وقد جاء في الموطأ [4] عن زيد بن أسلم عن أبيه، أنه قال: خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق. فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسَهَّلَ، ثم قال: لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى، ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعا من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون الربح لكما، فقالا: وددنا ذلك، ففعل، وكتب إلى عمر بن الخطاب، أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال: أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما؟ قالا: لا، فقال عمر بن

(1) والمضاربة هي لغة العراقيين في التعبير عن هذا العقد، وسمى بذلك لاشتقاقها من الضرب في الأرض، وهو السفر فيها للتجارة غالبًا، وقيل لأن كلا من طرفي هذا العقد يضرب بسهم في الربح، ويسمى هذا العقد في لغة الحجازيين (القراض) لاشتقاقه من المقارضة وهي المساواة والموازنة كما يقال: تقارض الشاعران أي وازن كل واحد منهما الآخر بشعره، وههنا من العامل العمل، ومن الآخر المال فتوازنا.

وقيل لاشتقاقه من القرض وهو القطع، يقال: قرض الفار الثوب إذا قطعه، وههنا قد اقتطع صاحب المال قطعة من ماله وسلمها إلى العامل، كما اقتطع له قطعة من الربح.

(2) أخرجه البهيقي في السنن الكبرى 6/ 111.

(3) أخرجه البهيقي في المعرفة (نصب راية للزيلعي 4/ 114, 115) .

(4) كتاب الفرائض، باب 1، صفحة 687.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت