بمستوى معيشة الناس، كما جاء في النص. وبقدر ما يرتفع مستوى المعيشة
يتسع المدلول الواقعي للفقر لأن التخلّف عن مواكبة هذا الإرتفاع في مستوى
المعيشة يكون فقرًا عندئذ. فإذا اعتاد الناس مثلًا على استقلال كل عائلة بدار،
نتيجة لاتساع العمران في البلاد، أصبح عدم حصول عائلة على دار مستقلة
لونًا من الفقر بينما لم يكن فقرًا، حينما لم تكن البلاد قد وصلت إلى هذا
المستوى من اليسر والرخاء.
وهذه المرونة في مفهوم الفقر، ترتبط بفكرة التوازن الاجتماعي،
إذ ان الإسلام لو كان قد أعطى_ بدلًا عن ذلك_ مفهومًا ثابتًا للفقر،
وهو العجز عن الإشباع البسيط الحاجات الأساسية، وجعل من وظيفة
الزكاة. وما إليها علاج هذا المفهوم الثابت للفقر، لما أمكن العمل لإيجاد
التوازن الاجتماعي في مستوى المعيشة عن طريقها، ولا تسعت الهوة بين
مستوى عوائل الزكاة وما إليها، ومستوى المعيشة العام للأغنياء، الذي
يزحف ويرتفع باستمرار، تبعًا للتطورات المدنية في البلاد وزيادة الثروة
الكلية. فإعطاء مفاهيم مرنة للفقر والغنى، ووضع نظام الزكاة وغيرها لصالح
التوازن الاجتماعي العام.
وليس غريبًا إعطاه مفهوم مرن لمدلول تعلق به حكم شرعي، كالفقر
الذي ربطت به الزكاة. ولا يعني هذا تغير الحكم الشرعي، بل هو حكم
ثابت لمفهوم خاص، والتغير إنما هو في واقع هذا المفهوم، تبعًا للظروف.
ونظير هذا مفهوم الطب مثلًا، فان الشرع حكم بوجوب تعلم الطب
كفاية على المسلمين، وهذا الوجوب حكم ثابت، تعلق بمفهوم خاص وهو
(الطب) . ولكن ما هو مفهوم الطب؟ وما يعني تعلم الطب؟. إن تعلم
الطب هو دراسة المعلومات الخاصة، التي تتوفر في ظرف ما عن الأمراض
وطريقة علاجها. وهذه المعلومات الخاصة تنمو على مر الزمن، تبعًا لتطور
العلم. وتكامل التجربة. فما هي معلومات خاصة بالأمس، لا تعتبر
معلومات خاصة اليوم. ولا يكفي في طبيب اليوم أن يتقن ما كان يعرفه