فالأساس والفكرة والطريقة كلها واضحة، في هذا الضوء القرآني.
وقد أفتى بعض الفقهاء كالشيخ الحر: بأن ضمان الدولة لا يختص
بالمسلم. فالذمي الذي يعيش في كنف الدولة الإسلامية إذا كبر وعجز عن
الكسب، كانت نفقته من بيت المال. وقد نقل الشيخ الحر حديثًا عن
الإمام على: أنه مر بشيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين ما هذا؟
فقيل له: يا أمير المؤمنين أنه نصراني. فقال الإمام: استعملتوه حتى إذا
كبر وعجز منعتموه!!. انفقوا عليه من بيت المال.
حين عالج الإسلام قضية التوازن الاجتماعي، ليضع منه مبدءًا للدولة
في سياستها الاقتصادية، انطلق من حقيقتين أحداهما كونية. والأخرى
مذهبية.
أما الحقيقة الكونية فهي: تفاوت أفراد النوع البشري في مختلف
الخصائص والصفات، النفسية والفكرية والجسدية. فهم يختلفون في الصبر
والشجاعة، وفي قوة العزيمة والأمل ويختلفون في حدة الذكاء وسرعة
البديهة وفي القدرة على الإبداع والاختراع. ويختلفون في قوة العضلات،
وفي ثبات الأعصاب، إلى غير ذلك من مقومات الشخصية الإنسانية التي
وزعت بدرجات متفاوتة على الأفراد.
وهذه التناقضات ليست في رأي الإسلام ناتجة عن أحداث عرضية في
تاريخ الإنسان، كما يزعم هواة العامل الاقتصادي، الذين يحاولون أن
يجدوا فيه التعليل النهائي لكل ظواهر التاريخ الإنساني. فإن من الخطأ محاولة
تفسير تلك التناقضات والفروق بين الأفراد، على أساس ظرف اجتماعي
معين، أو عامل اقتصادي خاص. لأن هذا العامل أو ذلك الظرف، لئن
أمكن أن تفسر على ضوئه الحالة الاجتماعية ككل، فيقال: إن التركيب
الطبقي الاقطاعي أو أن نظام الرقيق كان وليد هذا العامل الاقتصادي،
كما يصنع أنصار التفسير المادي للتاريخ .. فلا يمكن بحال من الأحوال أن
يكون العامل الاقتصادي، أو أي وضع اجتماعي، كافيًا لتفسير ظهور
تلك الاختلافات والتناقضات الخاصة بين الأفراد. وإلا فلماذا اتخذ هذا