وكتب ابن قدامة يقول:(قال الميموني: ذاكرت أبا عبد الله فقلت:
قد تكون للرجل الإبل والغنم تجب فيها الزكاة وهو فقير وتكون له أربعون
شاة وتكون له الضيعة لا تكفيه فيعطى من الصدقة؟ قال: نعم، وذكر قول
عمر أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا. وقال: في رواية
محمد بن الحكم إذا كان له عقار يشغله أو ضيعة تساوي عشرة آلاف أو
أقل أو أكثر لا تقيمه يأخذ من الزكاة. وهذا قول الشافعي) [1] .
وقد فسر ابن قدامة ذلك بقوله:(لأن الحاجة هي الفقر والغنى ضدها
فمن كان محتاجًا فهو فقير يدخل في عموم النص ومن استغنى دخل في عموم
النصوص المحرمة) [2] .
فهذه النصوص تأمر باعطاء الزكاة وما إليها، إلى أن يلحق الفرد بالناس،
أو إلى أن يصبح غنيًا، أو لإشباع حاجاته الأولية والثانوية من طعام وشراب
وكسوة وزواج وصدقة وحج، على اختلاف التعابير التي وردت فيها.
وكلها تستهدف غرضًا واحدًا، وهو تعميم الغنى بمفهومه الإسلامي،
وإيجاد التوازن الاجتماعي في مستوى المعيشة.
وعلى هذا الضوء نستطيع أن نحدد مفهوم الغنى والفقر عند الإسلام
بشكل عام. فالفقير هو من لم يظفر بمستوى من المعيشة، يمكنه من إشباع
حاجاته الضرورية وحاجاته الكمالية، بالقدر الذي تسمح به حدود الثروة
في البلاد. أو هو بتعبير آخر: من يعيش في مستوى تفصله هوة عميقة عن
المستوى المعيشي للأثرياء في المجتمع الإسلامي. والغني من لا تفصله في
مستواه المعيشي هذه الهوة، ولا يعسر عليه إشباع حاجاته الضرورية والكمالية
بالقدر الذي يتناسب مع ثروة البلاد، ودرجة رقيها المادي، سواء كان
يملك ثروة كبيرة أم لا.
وبهذا نعرف أن الإسلام لم يعط للفقر مفهومًا مطلقًا، ومضمونًا ثابتًا
في كل الظروف والأحوال، فلم يقل مثلًا: إن الفقر هو العجز عن الإشباع
البسيط للحاجات الأساسية. وإنما جعل الفقر بمعنى عدم الإ لتحاق في المعيشة
(1) المغني لابن قدامة جـ 2 ص 554.
(2) نفس المصدر ص 553.