سجله التاريخ بمداد الذل على ورق الخزي ليبقى عبرة لمن أراد أن يعتبر ... وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة المكرمة، واتجه صوب المدينة المنورة، يصحبه في هجرته المباركة أبو بكر الصديق رضي الله عنه ...
وازداد غيظ المشركين وملأ قلوبهم المظلمة الحقد والرغبة في قتل الأمين - صلى الله عليه وسلم - والخلاص من دعوته فأرسلوا في طلبه من يأتيهم به حيا أو ميتا، وجمعوا لذلك مالا كثيرا، عشرات من النوق الثمبنة، وكان ممن أغروا بهذا الثراء من شبانهم الأقوياء سراقة بن مالك المدلجي. ... وكانت
المناورة الثانية ...
قال الإمام البيهقي في دلائل النبوة:
باب اتباع سراقة بن مالك بن جعشم أثر رسول الله وما ظهر في ذلك من دلائل النبوة ...
-أخبرنا أبو الحسين محمد بن الحسين القطان ببغداد وقال أخبرنا عبد الله بن جعفر بن درستويه قال حدثنا يعقوب بن سفيان قال حدثنا عبيد الله بن موسى وعبد الله بن رجاء أبو عمر الغداني عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال اشترى أبو بكر من عازب رحلا بثلاثة عشر درهما فقال أبو بكر رضي الله عنه لعازب: مر البراء فليحمله إلى رحلي ... فقال له عازب: لا حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله حين خرجتما والمشركون يطلبونكما ... قال أدلجنا من مكة ليلا فأحيينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة فرميت ببصري هل أرى من ظل نأوي إليه فإذا صخرة فانتهيت إليها فإذا بقية ظل لها فسويته ثم فرشت لرسول الله فروة ثم قلت اضطجع يا رسول الله فاضطجع ثم ذهبت أنفض ما حولي هل أرى من الطلب أحدا فإذا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذي نريد يعني الظل فسألته فقلت: لمن أنت يا غلام؟ فقال: لرجل من قريش .. فسماه فعرفته؛ فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم ... قلت: هل أنت حالب لي؟ قال: نعم .. فأمرته فاعتقل شاة من غنمه وأمرته أن ينفض ضرعها من التراب ثم أمرته أن ينفض كفيه فقال هكذا فضرب إحدى كفيه على الأخرى فحلب لي كثبة من لبن، وقد رويت معي لرسول الله إداوة على فمها خرقة فصببت على اللبن حتى برد أسفله فأتيت رسول الله فوافقته وقد استيقظ فقلت: أتشرب يا رسول الله؟ فشرب رسول الله حتى رضيت؛ ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله ... قال فارتحلنا والقوم يطلبوننا فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له فقلت هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، قال: لا تحزن إن الله معنا ... فلما أن دنا منا وكان بيننا وبينه قيد رمحين أو ثلاثة قلت هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله وبكيت فقال: ما يبكيك؟ فقلت أما والله ما على نفسي أبكي ولكني إنما أبكي عليك .. قال فدعا عليه رسول الله فقال اللهم اكفنا بما شئت قال فساخت به فرسه في الأرض إلى بطنها فوثب عنها ثم قال يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله أن تنجيني مما أنا فيه فوالله لأعمين على من ورائي من الطلب وهذه كنانتي فخذ منها سهما فإنك ستمر بإبلي وغنمي بمكان كذا وكذا فخذ منها حاجتك فقال رسول الله لا حاجة لنا في إبلك وغنمك ودعا له رسول الله فانطلق راجعا إلى أصحابه ومضى رسول الله وأنا معه حتى قدمنا المدينة ليلا ...
رواه البخاري في الصحيح عن عبد الله بن رجاء وأخرجه مسلم من وجه آخر عن إسرائيل