فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 53

ويعني بقوله: وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ: يمنعك من أن ينالوك بسوء, وأصله من عصام القربة, وهو ما توكأ به من سير وخيط, ومنه قول الشاعر:

وَقُلْتُ عَلَيْكُمْ مالِكا إنّ مالِكا ... سيَعْصِمُكْم إنْ كانَ فِي النّاسِ عاصِمُ

يعني: يمنعكم. وأما قوله: (إنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ) فإنه يعني: إن الله لا يوفق للرشد من حاد عن سبيل الحقّ وجار عن قصد السبيل وجحد ما جئته به من عند الله, ولم ينته إلى أمر الله وطاعته فيما فرض عليه وأوجبه.

يقول تعالى مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - باسم الرسالة, وآمرًا له بإبلاغ جميع ما أرسله الله به, وقد امتثل عليه أفضل الصلاة والسلام ذلك, وقام به أتم القيام, قال البخاري عند تفسير هذه الاَية: حدثنا محمد بن يوسف, حدثنا سفيان عن إسماعيل, عن الشعبي عن مسروق, عن عائشة رضي الله عنها, قالت: من حدثك أن محمدًا كتم شيئًا مما أنزل الله عليه فقد كذب, الله يقول {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك} الاَية, هكذا رواه هاهنا مختصرًا وقد أخرجه في مواضع من صحيحه مطولًا, وكذا رواه مسلم في كتابي الإيمان, والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننهما من طرق عن عامر الشعبي, عن مسروق بن الأجدع, عنها رضي الله عنها, وفي الصحيحين عنها أيضًا أنها قالت: لو كان محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كاتمًا شيئًا من القرآن لكتم هذه الاَية {وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} .

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي: حدثنا سعيد بن سليمان, حدثنا عباد عن هارون بن عنترة, عن أبيه قال: كنا عند ابن عباس, فجاء رجل فقال له: إن ناسًا يأتونا فيخبروننا أن عندكم شيئًا لم يبده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للناس فقال ابن عباس: ألم تعلم أن الله تعالى قال: {يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك} والله ما ورثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سوداء في بيضاء, وهذا إسناد جيد, وهكذا في صحيح البخاري من رواية أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة, إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن وما في هذه الصحيفة, قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل, وفكاك الأسير, وأن لا يقتل مسلم بكافر.

وقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم, وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة وأداء الأمانة, واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع, وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفًا, كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته يومئذ «أيها الناس إنكم مسؤولون عني, فما أنتم قائلون؟» قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت, فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكسها إليهم ويقول «اللهم هل بلغت» ؟. قال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير, حدثنا فضيل يعني ابن غزوان, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع. «يا أيها الناس، أي يوم هذا؟» قالوا: يوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت