من الأمور المسلّم بها عند الشيعة مخالفة أهل السنة من كل شئ حتى في الأخبار حتى أن مقياس صحة الخبر عندهم هو مخالفة خبرهم لخبر أهل السنة وربما يتعجب أخي القارئ مما أذكره كيف هذا؟ وما العلة في هذا المخالفة؟
فالجواب نجده عند الخميني ص 82 من رسالته"التعادل والترجيح"فيقول:"ومنها بإسناده عن أبي إسحاق الارجاني رفعه قال: قال أبو عبد الله: أتدري لم أمرتهم بخلاف ما تقول العامة؟ فقلت: لا أدري. فقال: إن عليا لم يكن يدين الله بدين إلا خالف عليه الأمة إلى غيره أراده لإبطال أميره وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشيء لا يعلمونه فإذا أفتاهم جعلوا له ضدا من عندهم ليلتبسوا على الناس".
فالسبب من مخالفة أهل السنة عند الخميني وغيره من الشيعة أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسألون الأمام علي رضي الله عنه عن مسائل فإذا عرفوها وضعوا ما يقابلها وينقضها فمن أجل ذلك الشيعة دائما تخالف أهل السنة في كل شئ وذلك انتقاما لعلي رضي الله عنه.
والخميني لا يقول بمخالفة أهل السنة سدى بل استند إلى وجوب المخالفة بأدلة من مذهبه فتجده ص 80 - 81 فيقول:"البحث الثاني في حال الأخبار الواردة في مخالفة العامة هي أيضا طائفتان: أحديهما: ما وردت في خصوص الخبرين المتعارضين. وثانيتهما ما يظهر منها لزوم مخالفتهم وترك الخبر الموافق لهم مطلقا. فمن الأولى: مصححة عبد الرحمن بن أبي عبد الله وفيهما: فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوها على أخبار العامة فما وافق أخبارهم فذروه وما خالف أخبارهم فخذوه."
وعن رسالة القطب أيضا بسند فيه إرسال عن الحسن ابن الري قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما خالف القوم. وعنها بإسناده عن الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح (24) هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم؟ فقال: لا والله لا يسعكم إلا التسليم لنا، فقلت: فيروي عن أبي عبد الله عليه السلام شئ ويروي عنه خلافه فأيهما نأخذ؟ فقال: خذ بما خالف القوم وما وافق القوم فاجتنبه. ويسنده عن محمد بن عبد الله قال: قلت الرضا عليه السلام: كيف نصنع بالخبرين المختلفين؟ قال: إذا ورد عليكم خبران مختلفان فانظروا إلى ما يخالف العامة فخذوه وانظروا إلى ما يوافق أخبارهم فدعوه.
ومنها ما عن الطبرسي عن سماعة بن مهران عن أبي عبد الله عليه السلام قلت: يرد علينا حديثان واحد يأمرنا حنى نلقى صاحبك فتسأله. قلت: لا بد أن نعمل بواحد منهما. قال: خذ بما فيه خلاف العامة.
ومنها ذيل المقبولة المتقدمة: إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة فوجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا. بأي خبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد"."
وعلق الخميني على الروايات السابقة فقال ص82 من رسالته"التعادل والترجيح":"ولا يخفى وضوح الدلالة هذه الأخبار على أن مخالفة العامة مرجحة في الخبرين المتعارضين مع اعتبار سند بعضها بل صحة بعضها على الظاهر واشتهار مضمونها بين الأصحاب بل هذا المرجح هو المتداول العام الشائع في جميع أبواب الفقه والسنة الفقهاء".
فباختصار مخالفة أهل السنة واجبة في كل شئ. لو هذا الكلام صادر من جاهل لعذرناه أما أن يصدر من رجل بارز مثل الخميني دائم التصريح بوجوب لم الشمل بين السنة والشيعة (25) .
ولا أجب أن رجلا مثل الخميني يجهل خطورة هذا الكلام. ولا أظنه يجهل أن هناك معاييرا وشروطا لقبول الحديث أو رفضه (26) .
الذي ذكرناه ما يخص المرويات فإما الفتيا فحدث ولا حرج فهذا الخميني يقول ص 82 من رسالته السابقة: ومن الطائفة الثانية ما عن العيون بإسناده عن علي بن أسباط قال: قلت للرضا عليه السلام: بحديث الأمر لا أجد بدا من معرفته وليس في البلد الذي أنا فيه أحدا استفتيه من مواليك قال: ائت فقيه البلد فاستفته من أمرك فإذا أفتاك بشئ فخذ بخلافه فإن الحق فيه.
وعلق الخميني على الرواية فقال:"موردها صورة الاضطرار وعدم طريق إلى الواقع فأرشده إلى طريق يرجع إليه لدى سد الطريق".
فالخميني يرى أن الشيعي إذا عاش في بلد سني وأراد أن يعرف حكم مسألة ما فما عليه إلا أن يسأل عالما سنيا ويأخذ بخلاف ما قال.
(هل) هذه الطريقة سليمة لمعرفة أحكام الدين؟
يا صاحب السماحة لم هذه التحامل والحقد تجاه أهل السنة. واسمح لي أن أقول لك أن هذا الكلام قد تترجم على أيدي سماحتكم فور تسلم الحكم في إيران. وإقليم عربستان خير شاهد على صدق كلامنا بعد أن قام البطل الصنديد الأميرال أحمد مدني بتقتيل أهالي الإقليم مجرد المطالبة بالحكم الذاتي في حين قوميات أخرى نادت بنفس المطلب دون أن ينالها ما نال أهالي إقليم عربستان. وأن الاستفزازات تجاه دول الخليج العربي وضرب صحراء العبدلي بالكويت الشقيق وبضرورة استرجاع دولة البحرين وجعلها تحت النفوذ الإيراني وعدم إعادة الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى التابعة لدولة الإمارات العربية المتحدة كل ذلك ما هو إلا ترجمة عملية للمردة التي يكنها النظام القائم في إيران لأشقائه أهل السنة في الدول المجاورة وما حرب إيران ضد عراق الشقيق ببعيد عن ذلك المخطط الرهيب الذي من أول وأهم أهدافه تمكين الأخطبوط الشيعي من الاستيلاء على تلك المناطق وتحويل أهلها إلى شيعة. ولقد أوجزت إحدى الصحف العربية ذلك الأعمال التي يقوم بها النظام الإيراني بأنها"دغدغة العقد الشخصية عند بعض القادة الإيرانيين" (27) .
ومن الغريب حقا أن ترتكب مثل هذه الجازر الوحشية. أن تسود هذه العرقية في التعامل مع العرب دون أن يرتفع أي صوت من جانب الحامين من رجال الدين ضد السلطات المحلية في عربستان. وكان الأمر طبيعي ومطلوب. وقد قام هذا في ظل"ثورة"تقول صباح مساء بأنها قامت من أجل العدل وإحقاق الحق والمساواة بين المسلمين. اهـ.
وماذا ينتظر من سدنة الطغمة الحاكمة في إيران أكثر من هذا. وأن إقليم عربستان حظى يجزاء سنمار فاللهم إليك المشتكى.
والخميني يرى أنه إذا صدرت من المعصوم فتوى توافق فتوى أهل السنة ففتياه تقية لأن الخميني يعلم تمام العلم بأن السنة والشيعة يسيران في خطين متوازنين لا يمكن للقاء بينهما إلا إذا انسلخ الطرق الآخر من عقيدته واعتنق عقيدة الآخر فيقول ص 82 من رسالته السابقة ومنها عن الشيخ بإسناده عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله قال: ما سمعته مني بشبه قول الناس فيه التقية، وما سمعت مني لا يشبه قول الناس فلا تقية فيه"."
وعلق الخميني على الرواية فقال: لا يبعد أن يكون المراد من الشباهة قول الناس هي الشباهة في آرائهم وأهوائهم كالقول بالجبر والقياس والفتاوى الباطلة المعروفة منهم كالقول بالعول والتعصيب.
وعند الخميني لا يتم إيمان الشيعي إلا إذا خالف أهل السنة ومن لم يكن كذلك فهو ناقص الإيمان فيقول ص 82 من رسالته السابقة:"وأما قوله في رواية"شيعتنا المسلمون لأمرنا الآخذون بقولنا المخالفون لأعدائنا فمن لم يكن كذلك فليس منا"."
وقوله في رواية أخرى"ما أنتم والله على شئ مما هم فيه ولا هم على شئ مما أنتم فيه فخالفوهم فما هم الحنفية على شئ"فالظاهر منهما المخالفة في عقائدهم وفي أمر الإمامة وما يرتبط بها.
فالخميني يرى أننا على دين غير الإسلام وبالتالي كل إنسان ليس على دين الإسلام فهو كافر ولا يستطيع أن يعلن الخميني صراحة بكفر أهل السنة ولكن يأتي بأساليب وكلمات ملتوية تفي بالغرض الذي ينطق به. ولماذا إصرار الخميني على مخالفة أهل السنة في عقائدهم وفي أمر الإمامة بالذات؟ مع أنه يصرح دائما بأن لا وجود لاختلافات عقائدية بين السنة والشيعة.
والادهى من ذلك أن يرى الخميني أن إقبال أهل السنة على أي شئ سواء كان عبادة أو غير ذلك إنما إقبالهم على باطل فيقول ص 83:"أما قوله في صحيحة إسماعيل بن بزيع"إذا رأيت الناي يقبلون على شئ فاجتنبه"، يدل على أن إقبالهم على شئ وإصرارهم به يدل على بطلانه. وعلى أي حال لا إشكال في أن مخالفة العامة من مرجحات باب التعارض."
إن تمسك أهل السنة بكتاب الله تعالى وتلاوته والعمل بما فيه باطل عند الخميني أن الإقرار محمد صلى الله عليه وسلم والعمل بسنته باطل عند الخميني فما أبقى الخميني لأهل السنة فما بقى إلا أن يقول لنا صراحة إذا كنتم ترغبون في النجاة يوم القيامة والدخول في جنة الله تعالى فما عليكم إلا أن تنبذوا دينكم الذي أنتم عليه وتعتنقوا مذهب التشيع. وهذا هو الثمن من وراء التقريب بين السنة والشيعة. وإني لأسف أن يكون الخميني بهذه العقلية المغلقة المتزمتة ولكن الدارس لعقيدة الخميني لا يتعجب أن يصدر منه هذا الكلام فكل أناء بالذي فيه ينضح.
ثم يأتي الخميني إلى خلاصة جميع ما ذكره فيقول ص 83: فتحصل من جميع ما ذكرنا من أول البحث إلى هنا أن المرجع المنصوص ينحصر في أمرين: موافقة الكتاب والسنة، ومخالفة العامة.
ويقول ص 91 من رسالته:"قد اتضح أن المرجع المنصوص منحصر في موافقة الكتاب ومخالفة العامة فكل واحد مهما يمكن أن يكون ثبوتا مرجحا لأجل الصدور أو لجهته ويمكن أن يكون كل لجهته".
لم يبن لنا الإمام ما هو الكتاب - ولا أظنه يجرؤ بأن يقول هو القرآن الذي جمعه على رضي الله عنه هو المقصود وأما القرآن الموجود بأيدي السنة فليس بقرآن صحيح بل هو ناقص - وما هي السنة. هل هي أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيحة أم أكاذيب زرارة وغيره من رواة الشيعة ثم الخميني يرى أن مخالفة أهل السنة بمنزلة القرآن والسنة وهل يريد دعاة التقريب بين المذاهب أكثر من هذا التصريح أم يا ترى القمي مازال لديه الوقت لخداع أهل السنة.
فيا أعضاء جمعية التقريب من أهل السنة احذروا الألاعيب وأفيقوا من غفلتكم.
(24) هو أحد الأئمة المعصومين ويعبر عنه بعدة تسميات وذلك من متطلبات التقية وقال الملا محسن بالملّقب بالفيض في كتابه"المستطاب الوافي"10/ 7 طبع 1313ه: قد يعبر عن المعصوم عليه السلام بالعالم والفقيه والشيخ وعبد الصالح والرجل والماضي وغير ذلك للتقية وشدة الزمان المانعة بالتصريح بالاسم أو الكناية ويعرف ذلك بقرينة الراوي وأكثر ما يكون ذلك في أبي الحسن موسى ابن جعفر عليهما السلام وقد يعبر عن الإمام باسم مشترك كمحمد بن علي أو كنية مشتركة كأبي جعفر وأبي الحسن ويعرف ذلك أيضا بقرينة الراوي وطبقته وكلما قيل أو الحسن الأول والماضي فالمراد به الكاظم عليه السلام أو الثاني فالرضا عليه السلام أو الثالث أو الأخير فالهادي عليه السلام وإذا قيل أبو جعفر الأول فالباقر عليه السلام أو الثاني فالجواد وأبو عبد الله فالصادق عليهم السلام. انظر كتابنا"الشيعة والحديث".
(25) انظر كتابنا"موقف الشيعة من أهل السنة"
(26) انظر كتابنا"الشيعة والحديث"
(27) علقت إحدى الصحف العربية في افتتاحيتها حول أعمال العنف التي قام بها النظام الإيراني في إقليم عربستان فقالت: عندما قامت الثورة الإيرانية كان طبيعيا أن تنهض كل الشعوب الإيرانية التي اضطهدت في عهد الشاه. مطالبة بحريتها وحقوقها. وما طالب به العرب في عربستان لم يرد على أن يكون مجرد حقوق ثقافية وإدارية وكان كثير مما طالبت به القوميات الأخرى. وكانت أساليبهم في التعبير أساليبها سلمية في حين رفع الآخرون السلام وأعلنوا العصيان. ولكن الغريب أن السلطات الإيرانية جابهت مطالب العرب البسيطة والمشروعة وأساليبهم السلمية العنف وحمام الدم والتعصب العرقي والانفعال فقتلت وجرحت المئات وأنكرت عليهم أن حق من الحقوق التي طالبوا بها. بل زورت حتى أنسابهم.