ولعلنا نقول هنا: بأن أصل الشر في الدنيا وانتهاك الحقوق الإنسانية والفساد وسفك الدماء، كامن في تسلط الإنسان على الإنسان، وإن هذا التسلط، أو إن شئت فقل:"التأله"، أخذ على مدار التاريخ والرحلة البشرية أشكالًا متعددة ومتنوعة، وكان لكل عصر آلهته وطاغوته .. فمنذ فجر التاريخ، في العهد الزراعي، أخذ هذا التأله أو التسلط صورة الإقطاعي الذي يملك الأرض والإنسان، ويتصرف كما يحلو له، ولا تزال عقدة أقنان الأرض تتسلل بشكل أو بآخر إلى كثير من النفوس في مجالات الحياة المختلفة، الأمر الذي يزري بكرامة الإنسان.
ولعل من أخطر أشكال التسلط وأعتاها هو تلبس الحكم بالألوهية، واعتبار الحاكم هو المتحدث باسم الله، أو هو ظل الله على الأرض، ينفذ إرادته ويتحكم بالبشر كما يحلو له، وأن أية معارضة أو قعود عن طاعة الأوامر هو عصيان لله تعالى .. فباسم الله قد يُستغل البشر، وتُنتهك الحرمات، وتُستباح الأعراض، وتُوضع القيم والتشريعات، التي لا تقبل المناقشة ولا النقد.
ومن أشكال التسلط وانتهاك حقوق الإنسان التي حفظها التاريخ أيضًا، تسلط طبقة رجال الدين، التي شكلت نوعًا من الكهانة واحتكار تفسير إرادة الله والتسلط على البشر باسم الدين، والتحكم بدنيا الناس وأخراهم، وابتزاز أموالهم وأعراضهم بما يسمى"الاعتراف والغفران"، وتصرفهم بالمصير والآخرة، وبيع صكوك الغفران، بما أسمي بالحكم"الثيوقراطي"أو الديني، والذي كان من الطبيعي الخروج عليهم، ذلك الخروج الذي لم يقتصر على رفض سلطة رجال الدين والكهنوت وتسلطهم وتصويب الممارسات التي لا علاقة لها بنصوص الدين، وإنما كان خروجًا وانسلاخًا من الدين كله وما يمت إليه بصلة.