"ومن النماذج الواقعية، ما روى الطبري في تاريخه أن ربعي ابن عامر دخل على رستم قائد الفرس في مجلسه، فبادر رستم بسؤال الشيخ المجاهد: ما جاء بكم؟ فأجابه الرجل المؤمن على الفور:"الله ابتعثنا، والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام" [38] ."
إن الحسبة الشرعية، بمفهومها الواسع للفرد والجماعة والدولة، هي محور حقوق الإنسان، وتؤصل لمصدر تلك الحقوق، فتربطها بالوحي الإلهى وعقيدة الإيمان بدلًا من ربطها بالطبيعة والعقل الإنساني المجرد ومبادئ العدالة وما ينتج عنها من عقد اجتماعي، وغير ذلك مما تقرره العقلية الغربية. وهذا مما يجعل هذه الحقوق ثابتة وموضوعية، وهي في حراسة عقيدة الإيمان وحمايتها، وهي ترتكز إلى أصول ثابتة في قلب الإنسان المسلم وضميره، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وتجد احترامًا وتقديرًا و قداسة من الإنسان. قال الله تعالى: (( إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُ بِ?لْعَدْلِ وَ?لإْحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ?لْقُرْبَى? وَيَنْهَى? عَنِ ?لْفَحْشَاء وَ?لْمُنْكَرِ وَ?لْبَغْى ) ) (النحل:90) ، وقال تعالى: (( إِنَّ ?للَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ ?لامَـ?نَـ?تِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ ?لنَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِ?لْعَدْلِ ) ) (النساء: 58) ، أما ربط حقوق الإنسان بالقانون الطبيعي فيجعلها خاضعة لاعتبارات ذاتية ترتبط بمصلحة الدولة أو مصلحة الحكام دون النظر إلى الاعتبارات الموضوعية المتعلقة بإقرار الحقوق والواجبات، ولذلك قيدت نصوص المواثيق الخاصة بهذه الحقوق بالحماية التي كفلتها دساتير الدول [39] .
وهذا يفسر لنا التصريحات المتناقضة بشأن حقوق الإنسان في الغرب، وسياسة الكيل بمكيالين ومدى (احترام) الغرب لحقوق الإنسان في غير بلاده!