إذا كانت إنسانية الإنسان، بما تعنيه من خصائص وامتيازات لهذا الكائن، هي أول ما يجب أن نحافظ عليه ونصونه، وننطلق منه في كل ما يتعلق بالإنسان، فإن تزكية الإنسان يجب أن تكون الهدف الثاني والمحدد الثاني لحركة حقوق الإنسان، ولكل نشاط يستهدف الإنسان.
فالتزكية هي المقصد الأسمى الذي يريده الله لعباده في هذه الدنيا، وهي منتهى ما بعث الله لأجله رسله، وخلاصة ما ضمنه شرائعه.
والتزكية -كما هو متفق عليه عند اللغويين والمفسرين- تتضمن معنيين، أو هي تزكية ذات وجهين هما التطهير والتنمية. فالتزكية في الأمور المعنوية هي التطهير من العيوب والأدران والآفات (أي من الصفات السلبية) ، وتنمية المحاسن والفضائل وعناصر الخير (أي الصفات الإيجابية) .
قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور:"التزكية تطهير النفس، مشتقة من الزكاة وهي النماء؛ وذلك لأن في أصل خلقة النفوس كمالات وطهارات، تعترضها أرجاس ناشئة عن ضلال أو تضليل، فتهذيب النفوس وتقويمها يزيدها من ذلك الخير المودع فيها، قال تعالى: (( لَقَدْ خَلَقْنَا ?لإِنسَـ?نَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ(4) ثُمَّ رَدَدْنَـ?هُ أَسْفَلَ سَـ?فِلِينَ (5) إِلاَّ ?لَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ?لصَّـ?لِحَـ?تِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ )) (التين:4 - 6) .. وفي الحديث:"بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، ففي الإرشاد إلى الإصلاح والكمال نماء لما أودع الله في النفوس من الخير في الفطرة" [5] .
ويقول الشيخ سعيد حوى رحمة الله عليه:"فزكاة النفس تطهيرها من أمراض وآفات، وتحققها بمقامات، وتخلقها بأسماء وصفات، فالتزكية في النهاية تطهر وتحقق وتخلق" [6] .
وإذا كان الدين قد اعتنى عناية تامة بالأبدان وصحتها وطهارتها وتغذيتها وتزكيتها، فلا شك أن عنايته العظمى هي تلك الموجهة إلى تزكية النفوس وإصلاحها لأنها عنصر تفرد الإنسان ومجال ارتقائه، كما قال الشاعر: