فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 123

وإذا كان اتباع الطرق السليمة عنصرًا أساسيًا في المجتمع المدني، فإن المتطوعين بالحسبة يباشرونها بالطرق السليمة في تلك المؤسسات، فليس لهم أن يعزروا ويعاقبوا في المنكرات الظاهرة، وإنما لهم النصيحة والوعظ والحوار والمجادلة وغير ذلك من الوسائل السلمية؛ لأن إعطاء صلاحيات تنفيذ العقوبات للمتطوعين وآحاد الناس يثير الفوضى والاضطراب في المجتمع الإسلامي، ويؤدي إلى مفاسد كثيرة، وهو افتيات على الإمام، كما قال ابن عبد السلام:"تولي الآحاد لما يختص بالأئمة مفسدة" [70] ، هذا إذا كان الإمام مطبقًا لأحكام الشريعة الإسلامية وملتزمًا بها. أما إذا كان جائرًا أو غير مطبق لأحكام الشريعة، فقد أجاز الفقهاء لآحاد الناس تولي ما يختص بالأئمة في الأموال خاصة، فلهم أن يوزعوها، ويضعوها في مواضعها، كما قال ابن عبد السلام [71] :"يجوز - يقصد تولي آحاد الناس- لما يختص بالأئمة في الأموال إذا كان الإمام جائرًا، يضع الحق في غير مستحقه تحصيلًا لمصلحة ذلك الحق الذي لو دفع إلى الإمام الجائر ولكان دفعه إليه إعانة على العصيان"، وقال تعالى: (( وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ?لْبرِ وَ?لتَّقْوَى? وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ?لإِثْمِ وَ?لْعُدْوَانِ ) ) (المائدة:2) .

ولا شك أن هذه المؤسسات الأهلية السلمية المحتسبة، هي التي تنشئ العمل الجاد المثمر، القادر على حماية حقوق الإنسان أكثر من المؤسسات الرسمية؛ لأنها تكون مستقلة عن السياسة المحلية للدولة، فلا تدور في فلكها، وإنما تدور في فلك مصلحة الأمة، ولأنها تعتمد في الغالب على أناس مخلصين يفرزهم العمل ويبرزهم الميدان، وبالتالي يكونون محل ثقة الناس واحترامهم و تقديرهم. هذا في الأعم الأغلب، وإلا فقد يوجد بين القائمين على المؤسسات الرسمية من يفوق العاملين في المؤسسات الأهلية إخلاصًا لله وغيرة على دينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت