وعليه، فإن مفهوم واجب الكفاية يتسع ليشمل وجوب تشكيل مؤسسات أهلية للقيام بمصالح الناس عامة. ومن المؤسسات التي تدخل تحت الكفاية المؤسسات الفكرية، ومراكز الدراسات التي تعنى بإصدار النشرات والدوريات البحثية المتخصصة. وقد عدَّ الزركشي تصنيف الكتب العلمية ضمن مجالات فروض الكفاية، فقال:"تصنيف كتب العلم لمن منحه الله تعالى فهمًا وإطلاعًا، ولن تزال هذه الأمة مع قصر أعمارها في ازدياد وترق في المواهب" [67] .
ومنها: المؤسسات الاجتماعية التي ترمي إلى سد الخلات ودفع حاجات المحتاجين، وإغاثة الملهوفين، وإنقاذ الغرقى، وغير ذلك. ومنها: المؤسسات التطوعية لإصلاح المرافق العامة في حالة عجز ميزانية الدولة عن سد نفقات الإصلاح: كإصلاح شِرب بلد تعطل، أو سور مدينة انهدم، كما قال الماوردي:
"فإن كان في بيت المال مال، لزم إصلاح ما تعطل من بيت المال؛ لأنها حقوق تلزم بيت المال. فأما إذا أعوز بيت المال كان الأمر ببناء سورهم وإصلاح شربهم وعمارة مساجدهم وجوامعهم ومراعاة بني السبيل فيهم متوجهًا إلى كافة ذوي المكنة منهم، ولا يتعين أحدهم في الأمر به، وإن شرع ذوو المكنة في عملهم وفي مراعاة بني السبيل وباشروا القيام به سقط عن المحتسب حق الأمر به، ولم يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني السبيل ولا في بناء ما كان مهدومًا. ولكن لو أرادوا هدم ما يعيدون بناءه من المسترم والمستهدم لم يكن لهم الإقدام على هدمه فيما عمّ أهل البلد من سوره وجامعهم إلا باستئذان ولي الأمر دون المحتسب ليأذن لهم في هدمه .." [68] .
ومنها: النقابات المهنية والحرفية، فقد أشارت كتب الحسبة إلى ضرورة وجود عريف في كل صنعة من صالح أهلها، خبيرًا بصناعتهم، بصيرًا بغشوشهم وتدليسهم، مشهورًا بالثقة والأمانة، مشرفًا على أحوالهم، ويطالع المحتسب بأخبارهم [69] .