إذا كانت الغاية من حقوق الإنسان في القوانين الغربية المعاصرة هي تقرير القيم الغربية المستندة إلى مبادئ العدالة والحرية الفردية وتسويقها في المجتمعات الإنسانية عن طرق الدعاية الإعلامية، والدعوة إلى العلمانية أحيانًا، وفي بعض الأحيان عن طريق الحرب، وتهديد الدول بوضعها في قائمة الدول المساندة للإرهاب والمنتهكة لحقوق الإنسان، فإن الغاية من الحسبة الشرعية هي تحقيق السلام العالمي، الذي يستند إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، وحماية مصالح الناس في الدنيا والآخرة، ودفع الفساد عنهم.
وهي مصالح لا ترتبط بفئة معينة، ولا بجنس الفرد أو لونه أو موطنه، وإنما تشمل جميع الناس. وهي تسعى إلى إيجاد عالم يتمتع فيه الإنسان بالكرامة الإنسانية وبحرية العقيدة والقول، ويتحرر من التسلط والظلم والفزع والفاقة، كما يقول الغزالي وغيره من العلماء المسلمين:"إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين ... ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله، لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد" [40] .
إن الحسبة في غايتها العالمية تؤصل للغاية من حقوق الإنسان، فهي غاية عالمية خالدة، وليست آنية يتوقف وجودها وإقرارها على مصالح الدول والأمم التي تروج لها، وهي ترجع إلى حفظ مقاصد الشريعة في الخلق، كما أشار الشاطبي، حيث ربط بين الحسبة ومقاصد الشريعة. وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: وهي الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات.
فالضروريات هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين .. ويتم حفظ الضروريات بأمرين: