فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 157

كثرة ورود الحركات، وبخاصة الطويلة [حروف المد: الألف والواو، والياء] ، بما لها من نغمات منتظمة تسيطر على لحن الكلام، يضاف إلى هذا كثرة ورود الصوامت المتوسطة (النون ـ الميم ـ الراء ـ الواو ـ الياء) ، وهي قريبة ـ من الناحية الفيزيائية ـ إلى طبيعة الحركات، التي تسهم في خاصية التنغيم الشجيّ بشكل واضح. يدعم هذا ظواهر صوتية خاصة بالقرآن: المد والغنّة. وكل هذه العناصر الصوتية لا تكون بهذا التناسب الفريد في غير القرآن من فنون الشعر والنثر.

سؤال اعتراضي: هل هذا التناسب الصوتي هو من قبيل السجع، حيث يتوالى الكلام المنثور على حرف واحد، ليكتسب النثر ضربًا من الموسيقى والنغم؟ وهل هو من قبيل القافية في الشعر؟

والجواب: لا هذا ولا ذالك، فالفاصلة في القرآن ليست على وتيرة واحدة، كما هو الحال في كل من السجع والتقفية، فهي لا تلتزم شيئًا من ذلك، حيث تجري في عدد من آيات القرآن على نمط، ثم يتحول عنه إلى نمط آخر، ومن خلال جريها على نمط واحد، فأغلب ما تقوم عليه هو حرف المد.

يقول الله تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ {1} بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ {2} أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ {3} قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ {4} بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ {5} أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ [1]

والفاصلة قيمة صوتية ذات وظيفة دلالية، ورعايتها تؤدي إلى تقديم عنصر أو تأخيره، ليس فقط رعاية للتناسق الصوتي، بل رعاية للمعنى أيضًا، وهذا هو الإعجاز.

الأمثلة: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)

[2] ، فإن قلت: لم قدم العبادة على الاستعانة؟ أجابك اللغويون أصحاب الحس المرهف، وعلى رأسهم الزمخشري، حيث قال: (هو من تقديم العلة على المعلول) .

وقال أبو السعود: (هو من باب تقديم الشرف) .

وقوله تعالى: (وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى) [3] ، لماذا قدم الآخرة على الأولى؟

والجواب أن ذلك مرتبط بسياق السورة ومقصدها، فقد قامت السورة لتأكيد سوء العاقبة والإنذار لمن كذب وأعرض بالتنكيل به في الآخرة، في مقابل الثواب الذي ينتظر من أحسن وتصدق، فإذا ما تحقق مع هذا المعنى الانسجام الصوتي وتناسب الإيقاع في الفواصل، فذلك لا يتم على هذا الوجه من الكمال في غير هذا النظام القرآني المعجز.

ومن قال بالتقديم لرعاية الفاصلة فقط، فهو قصور عن فهم المعنى المراد، فالتقديم والتأخير يرتبطان بالسياق والمعنى المراد.

(1) - (ق/1_6) .

(2) - (الفاتحة/5)

(3) - (الليل /13)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت