فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 157

قال الباقلاني [1] (الأعاجم لا يعرفون إعجاز القرآن إلا من خلال عجز العرب الفصحاء , قد بينا أنه لا يتهيأ لمن كان لسانه غير العربية، من العجم والترك وغيرهم، أن يعرفوا إعجاز القرآن، إلا أن يعلموا أن العرب قد عجزوا عن ذلك، فإذا عرفوا هذا بأن علموا أنهم قد تحدوا على أن يأتوا بمثله، وقرعوا على ترك الإتيان بمثله، ولم يأتوا به، تبينوا أنهم عاجزون عنه، وإذا عجز أهل اللسان فهم عنه أعجز.

وكذلك نقول: إن من كان من أهل اللسان العربي، إلا أنه ليس يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة

أساليب الكلام، ووجوه تصرف اللغة، وما يعدونه فصيحًا بلغيًا بارعًا من غيره، فهو كالأعجمي: في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا بمثل ما بينا أن يعرف به الفارسي الذي بدأنا بذكره، وهو ومن ليس من أهل اللسان سواء.

من تناهى في معرفة اللسان العربي يدرك الإعجاز

فأما من كان قد تناهى في كعرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها، فهو يعرق القدر الذي ينتهي إليه وسع المتكلم من الفصاحة، ويعرف ما يخرج عن الوسع، ويتجاوز حدود القدرة، فليس يخفى عليه إعجاز القرآن، كما يميز بين جنس الخطب والرسائل والشعر وكما يميز بين الشعر الجيد والرديء والفصيح والبديع النادر والبارع والغريب. وهذا كما يميز أهل كل صناعة صنعتهم، فيعرف الصيرفي من النقد ما يخفى على غيره، ويعرف البزاز من قيمة الثوب وجودته ما يخفى على غيره.

(1) - إعجاز القرآن: الباقلاني , الفصل الثامن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت