فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 157

وسمعوها منه"فتثبتوا"بالتاء والثاء والباء والتاء وكلا القراءتين قرآن موحى به من عند الله. وليس كما توهم جولد زيهر، إنهما قراءتان ناشئتان عن الاضطراب الحاصل من خلو كلمات المصحف من النقط والشكل في أول أمره؟.

والقراءتان، وإن اختلف لفظاهما، فإن بين معنييهما علاقة وثيقة، كعلاقة ضوء الشمس بقرصها: لأن التبين، وهو المصدر المتصيد من"فتبينوا"هى التفحص والتعقب في الخبر الذى يذيعه الفاسق بين الناس، وهذا البَين هو الطريق الموصل للتثبت. فالتثبت هو ثمرة التبين. ومن تبيَّن فقد تثبت. ومن تثبت فقد تبين.

فما أروع هذه القراءات، ورب السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما، إن قراءات القرآن لهى وجه شديد الإشراق من وجوه إعجاز القرآن، وإن كره الحاقدون.

وكما سمع المسلمون من فم محمد، الذى لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم في الآية السابقة:"فتبينوا"و"فتثبتوا"سمعوا منه كذلك،"يُفَصِّل"و"نُفصِّلُ"فى قوله تعالى:

(ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون) .

و"نفصل الآيات"وفاعل الفصل في القراءتين واحد هو الله عز وجل:

وقد اختلف التعبير عن الفاعل في القراءتين، فهو في القراءة الأولى"يفَصِّل"ضمير مستتر عائد على الله عز وجل في قوله: (ما خلق الله ذلك إلا بالحق) أى يفصل هو الآيات. فالفاعل هنا مفرد لعوده على مفرد"الله".

وفى القراءة الثانية عُبِّر عن الفاعل بضمير الجمع للمتكلم"نُفَصِّل"أى نفصل نحن.

والله واحد أحد، ولكن النون فى"نفصل"لها معنى في اللغة العربية هو التعظيم إذا كان المراد منها فردًا لا جماعة. ووجه التعظيم بلاغةً تنزيل الفرد منزلة"الجماعة"تعظيمًا لشأنه، وإجلالًا لقدره.

وفى هاتين القراءتين تكثير للمعنى، وهو وصف ملازم لكل القراءات.

وللبلاغيين إضافة حسنة في قراءة"نفصل"بعد قوله:"ما خلق الله .."هى الانتقال من الغيبة فى"ما خلق الله"إلى المتكلم فى"نفصل"للإشعار بعظمة التفصيل وروعته.

وبعد: إن إرجاع القراءات القرآنية لطبيعة الخط العربى الذى كان في أول أمره خاليًا من النقط والشكل، كما توهم"جولد زيهر"ومن بعده"آثر جيفرى"فى المقدمة التى كتبها لكتاب المصاحف، لأبى داود السجستانى، وتابعهما المستشرق"جان بيرك"، إن هذه النظرية مجرد وَهْمٍ سانده جهل هؤلاء الأدعياء على الفكر الإسلامى، مبدؤه ومنتهاه الحقد على الإسلام والتطاول على القرآن، لحاجات في نفوس"اليعاقيب".

وقد قدمنا في إيجاز ما أبطل هذه الأوهام، وبقى علينا في الرد على هذه الشبهة أن نذكر في إيجاز كذلك جهود علمائنا في تمحيص القراءات، وكيف وضعوا الضوابط الدقيقة لمعرفة القراءات الصحيحة، من غيرها مما كان شائعًا وقت جمع القرآن في عهد عثمان بن عفان"رضى الله عنه".

تمحيص القراءات:

وضع العلماء الأقدمون ضوابط محكمة للقراءات الصحيحة التى هى وحى من عند الله. وتلك الضوابط هى:

1 -صحة السند، الذى يؤكد سماع القراءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت