القسم الثاني: أهل التعطيل
التعطيل لغة: مَاخُوذٌ مِنَ الْعَطَلِ، الَّذِي هُوَ الْخُلُوُّ وَالْفَرَاغُ وَالتَّرْكُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ} . أَيْ: أَهْمَلَهَا أَهْلُهَا، وَتَرَكُوا وِرْدَهَا، والتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: إنكار ما يجب لله تعالى من الأسماء والصفات، أو إنكار بعضه.
والمعطلة لم يفهموا من أسماء الله تعالى وصفاته عز وجل إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم، فعقيدتهم جمعت ما بين التمثيل والتعطيل. ومن أهل التعطيل الفلاسفة وأهل الكلام.
1/ الفلاسفة: وهو اسم جنس لمن يحب الحكمة ويؤثرها، وقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه.
والذي ينبغي معرفته أن الفلاسفة لا يؤمنون بوجود الله حقيقة، ولا يؤمنون بوحي ولا نبوة ولا رسالة، وينكرون كل غيب، فالمبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين هما:
الأصل الأول: أن الأصل في العلوم هو عقل الإنسان، فهو عندهم مصدر العلم.
الأصل الثاني: أن العلوم محصورة في الأمور المحسوسة المشاهدة فقط.
فتحت الأصل الأول أبطلوا الوحي، وتحت الأصل الثاني أبطلوا الأمور الغيبية بما فيها الإيمان بالله واليوم الآخر.
وفساد أقوال الفلاسفة في الله تعالى لا يضاهيها فساد، فهم ينفون جميع الأسماء والصفات، ويطلقون على الله تعالى مسمى (واجب الوجود) ، ويمنعون الإثبات باي حال من الأحوال ولهم في النفي درجات:
الدرجة الأولى: درجة المكذبة النفاة وهي التي عليها طائفة من الفلاسفة كإبن سينا [1] وأمثاله.
الدرجة الثانية: المتجاهلة الواقفة الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي، وهذه الدرجة تنسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية المتفلسفة فهؤلاء هم غلاة الغلاة.
الدرجة الثالثة: المتجاهلة اللا أدرية الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم ولا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم. ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحسين بن منصور الحلاج الفارسي، المقتول على الردة سنة 309ھ. [2]
(1) إبن سينا هو أبو علي بن سينا واسمه الحسن بن عبد الله، وهو رئيس الفلاسفة ومهذب مذهبهم، له كتاب الإشارات الذي هذب فيه مذهب أرسطو وقربه قليلًا إلى الأديان، وكان - فيما ذكر ابن القيم رحمه الله - يقول بقدم العالم وإنكار المعاد ونفي علم الرب تعالى وقدرته وخلقه العالم وبعثه من في القبور، وكان ابن سينا هذا قد تفقه في مذهب الفلاسفة من كتب الفارابي أبي نصر التركي الفيلسوف، وكان الفارابي هذا قبحه الله يقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني، ويخصص بالمعاد الأرواح العالمة لا الجاهلة، وله مذاهب في ذلك يخالف بها المسلمين والفلاسفة من سلفه الأقدمين وتحمل ذلك عنه ابن سينا ونصره، وقد رد عليه الغزالي في تهافت الفلاسفة في عشرين مجلسًا له كفره في ثلاث منها وهي قوله بقدم العالم، وعدم المعاد الجثماني، وقوله إن الله لا يعلم الجزئيات، وبدعه في البواقي. قال ابن كثير: يقال أنه تاب عند الموت، فالله أعلم. إھ من مختصر معارج القبول لآل الحكمي / ص 233 - 234.
(2) الحلاَّج: أبو مغيث الحسين بن منصور الحلاج 244 ـ 309 هـ ولد بفارس حفيدًا لرجل زرادشتي، ونشأ في واسط بالعراق، وهو أشهر الحلوليين والاتحاديين، رمي بالكفر وقتل مصلوبًا لتهم أربع وُجِّهت إليه:
1 ـ اتصاله بالقرامطة.
2 ـ قوله (أنا الحق) .
3 ـ اعتقاد أتباعه ألوهيته.
4 ـ قوله في الحج، حيث يرى أن الحج إلى البيت الحرام ليس من الفرائض الواجب أداؤها. إھ من الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة / م 1 ص 256.