فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولذلك لا يُسأل إلا بها، فلا يقال: يا موجود، أو يا شيء، أو يا ذات اغفر لي وارحمني!! بل يُسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلا إليه بذلك الإسم. ومن تأمل أدعية الرسل، ولا سيما خاتمهم وإمامهم صلوات الله وسلامه عليهم وجدها مطابقة لهذا.
وهذه العبارة أولى من عبارة من قال: يتخلق بأسماء الله؛ فإنها ليست بعبارة سديدة، وهي منتزعة من قول الفلاسفة بالتشبه بالإله على قدر الطاقة، وأحسن منها: عبارة أبي الحكم بن بَرَّجان [1] ، وهي: التعبد، وأحسن منها: العبارة المطابقة للقرآن، وهي الدعاء المتضمن للتعبد والسؤال، فمراتبها أربعة: أشدها إنكارا عبارة الفلاسفة، وهي التشبه. وأحسن منها عبارة من قال: التخلق، وأحسن منها عبارة من قال: التعبد، وأحسن من الجميع: الدعاء، وهي لفظ القرآن. [2]
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في (سلسلة لقاءات الباب المفتوح/17) :-
(ومعنى إحصائها: أن يعرفها لفظًا ومعنى، ويتعبد لله بها، ليس إحصاؤها أن تتغيبها فقط، لابد أن تحفظها وتعرف معناها وتتعبد لله بها، أي: بما تقتضيه هذه الأسماء.
فمثلًا: إذا علمت أن الله (غفور) فإنك تتعرض للمغفرة فتستغفر، وتفعل العبادات التي تكون سببًا لغفران الذنوب. وإذا علمت بأن الله سبحانه وتعالى (عليم) لا تفعل شيئًا يبغضه؛ لأنه عالم بك.
وإذا علمت أنه يراك فإن مقتضى هذا الإيمان بأن الله يراك ألا تعمل عملًا سيئًا؛ لأنه يراك ولو كنت في أقصى بيتك. وإذا علمت أن الله (سميع) فإنك لا تُسمِع الله شيئًا يغضبه.
فإحصاؤها ليس بمجرد أن تحفظها؛ لأن هذا سهل لكنَّ إحصاءها معرفتها لفظًا، أي: حفظها، ومعرفة معناها، والتعبد لله بها، فالإنسان إذا فعل هذا أحصاها لفظًا، وفهمها معنى، وتعبد الله بها فهذا هو الدين، ومن دان لله بهذا أدخله الله الجنة). إھ [3]
قال أبو العز الحنفي: (ومن أعجب العجب: أن من غلاة نفاة الصفات الذين يستدلون بهذه الآية الكريمة على نفي الصفات أو الأسماء، ويقولون: واجب الوجود لا يكون كذا ولا يكون كذا - ثم يقولون: أصل الفلسفة هي التشبيه بالإله على قدر الطاقة، ويجعلون هذا غاية الحكمة ونهاية الكمال الإنساني، ويوافقهم على ذلك بعض من يطلق هذه العبارة، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «تخلقوا بأخلاق الله» ، فإذا كانوا ينفون الصفات، فبأي شيء يتخلق العبد على زعمهم؟! وكما أنه لا يشبه شيئا من مخلوقاته تعالى، لا يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن المخالف في هذا النصارى والحلولية والاتحادية لعنهم الله، ونفي مشابهة شيء من مخلوقاته له، مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته.) [4]
وإعلم أن في مسألة التخلق بأخلاق الله تعالى أحاديث لا تصح منها:
1/ (إن لله تعالى مائة خلق وسبعة عشر من أتاه بخلق منها دخل الجنة) .
رواه الطيالسي والبزار والترمذي الحكيم والبيهقي في الشعب والطبراني في الأوسط وأبو يعلى. وقال الألباني (ضعيف جدا) , وانظر حديث رقم: 1954 في ضعيف الجامع.
2/ (السخاء خلق الله الأعظم) .
رواه الأصفهاني وابن النجار. وقال الألباني: (ضعيف) انظر حديث رقم: 3339 في ضعيف الجامع.
3/ (تخلقوا بأخلاق الله) .
(1) هو أبو الحكم عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، احد المتصوفة ت (536) ترجمته في: لسان الميزان - 4/ 13 والأعلام - 4/ 6.
(2) بدائع الفوائد - 1 / ص 288 - 289.
(3) هي عبارة عن سلسلة لقاءات كان يعقدها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - طيب الله ثراه - بمنزله كل خميس. ابتدأ الشيخ هذه اللقاءات في أواخر شوال تقريبًا في العام (1412هـ) وانتهت هذه السلسلة في الخميس الرابع عشر من شهر صفر، عام (1421هـ) .
قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية. وتجدها ايضا في المكتبة الشاملة الاصدار، 3.48.
(4) شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي 1/ 181 - 182.