* ج - لقد طغت الأقوال على الفعال في أيامنا هذه ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ وأصبح الناصح غير منصوح في ذاته، بحيث يقف الرجل أما مالملأ فيحلل ويحرم، ويوعظ ويوجه، ويبشر ويحذر، فتذرف من أقواله الدموع، وتتسربل القلوب بالخشوع، ثم تراه إذا فارق مجلسه فارق مبادئه وأقواله، وخالفها بفعل الحرام وإتيان الموبقات .... والعياذ بالله. قال الله تعالى: {أَتَامُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} (البقرة: 44) ؟؟؟
ولله در الشاعر حين قال:
ألا أيها الرجل المعلم غيره ... هلا لنفسك كان ذا التعليم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم.
محمد بن عبد الله الجرداني الضمياطي في الجواهر اللؤلئية
وقد ورد في الحديث: إن أحب عباد الله إلى الله أنصحهم لعباده ... (رواه أحمد) وأخرجه الأصبهاني بلفظ: أحب عبادة عبدي إلي النصيحة ... وأبو نعيم في الحلية: أحب ما تعبدني به عبدي النصح لي ...
وقال بعض التابعين: خير الناس أنصحهم لهم، وشرهم أغشهم لهم ..
ويطلب كون النصيحة برفق لتكون أقرب للقبول , ومن ثم كان السلف الصالح إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرًا، وقال الإمام الشافعي: من وعظ أخاه سرا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وشانه ... وسئل ابن عباس رضي الله عنهما عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر، فقال: إن كنت فاعلا ولا بد ففيما بينك وبينه ...
وحكي أن رجلا وعظ المأمون، وأغلظ عليه، فقال له: خير منك وعظ من هو شر مني .. فإن موسى وهارون على نبينا وعليهما أفضل الصلاة والسلام لما أرسلهما الله تعالى إلى فرعون، قال لهما: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} (طه: 44) -أي ارفقا به.
وينبغيللناصح أن يرى نفسه دون المنصوح؛ وأن يمهد أي يسوي له بساطا قبل النصح. فقد حكي أن الحسن والحسين رضي الله عنهما أقبلا على شيخ يتوضأ وضوءا باطلا، فقال أحدهما للآخر: تعال نرشد هذا الشيخ. فقال أحدهما: يا شيخ، إنا نريد أن نتوضأ بين يديك حتى تنظر إلينا وتعلم من منا يحسن الوضوء ومن لا يحسنه ... ففعلا ذلك. فلما فرغا من وضوئهما، قال الشيخ: أنا - والله - الذي لا أحسن الوضوء، وأما أنتما فكل واحد منكما يحسن وضوءه. فانتفع بذلك منهما من غير تعنيف ولا توبيخ ..
ثم إن هذا الحديث ألغاظه قليلة وفوائده كثيرة، بل قيل: إن أحكام الإسلام داخلة تحته، بل تحت كلمة منه، وهي: ولكتابه؛ إذ هو مشتمل على الدين كله أصلا وفرعا وعملا واعتقادا