ولاشك أن كل منصف يعترف بأن مجاهدي فلسطين لم يغلبوا على أمرهم ولم يقهروا في ميدان الكفاح حينما كانوا يحاربون اليهود والإنجليز معًا حرب العصابات التي خذقوها، والتي هي أجدى وأنجع في مكافحة الجيوش النظامية، وأعظم أثرًا، وأقل نفقة. وبحرب العصابات القائمة على أسس التضحية والاستماتة والبسالة استطاع الفلسطينيون أن يفضوا مضاجع أعدائهم أمدًا طويلًا، وأن ينزلوا بهم الخسائر الفادحة، واستطاعت حركة الجهاد الفلسطيني في أعوام 36،37،38، 1939 م أن تسيطر على معظم الأراضي الفلسطينية بل عليها كلها إذا استثنينا قليلًا من المدن التي انحصر الجنود الإنجليز داخلها وقتًا غير قليل في انتظار النجدات.
وفي الحوادث الأخيرة ظن الإنجليز الذين جردوا أهل فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية من أسلحتهم، وشردوا قادتهم وسجنوا الألوف من مجاهديهم وأرهقوهم ظلمًا وعدوانًا كما يفعلون اليوم في المكافحين من رجال ماو ماو في الوقت الذي كانوا يسلحون فيه اليهود ويدربونهم وينظمونهم ويساعدونهم بواسطة هيئة عسكرية إنجليزية كان يرأسها القائد (وينجت) المعروف - ظن الإنجليز أن كفة اليهود الحربية أصبحت راجحة، وأن في استطاعتهم أن يتسلموا فلسطين حسب وعد بريطانيا القديم لهم، فأعلنت بريطانيا أنها ستنسحب من فلسطين. ولكن أهل فلسطين رغم ضعف وسائلهم عامي 1947 - 1948 م قاموا بكفاح شديد أرغموا به يهود القدس، وعددهم نحو (115) ألفًا، على رفع رايات التسليم، بعد أن أرهقوهم وحاصروهم وقطعوا عنهم الماء والزاد والعتاد. وقد توسطت الهيئة الدبلوماسية في القدس حينئذ وجاءت بعثة من بعض أعضائها إلى دمشق في مارس سنة 1948 م لمفاوضة الجامعة العربية والهيئة العربية العليا في هذا الأمر.