وما يصح في الأفراد في هذا الشأن يصح في الأمم. ولم يكن أهل فلسطين سلبيين بادئ الأمر، فقد طالبوا الإنجليز - بالحسنى - بحقوقهم، وشكوا إليهم الظلم الذي أوقعوه فيهم، ثم بعثوا بوفودهم العديدة إلا لندن، وأنشأوا فيها مكاتب للدعاية، والتمسوا من الدول العربية والإسلامية المتصلة بإنجلترا أن تتوسط لديها لتعاملهم بالحق والعدل، فلم يجدهم ذلك نفعًا، ولم يزد الإنجليز إلا صلفًا وغرورًا، واندفاعًا في سياسة البغي والعدوان، لتهويد بلادهم ونقض بنيانهم وتقويض كيانهم.
فلما أيقن العرب بسوء نية الإنجليز وتآمرهم واليهود عليهم، وذلك بعد تجارب كثيرة لم تدع مجالًا للثقة والطمأنينة، كان من الطبيعي أن يحذروا دسائسهم ويعملوا على اتقاء مكايدهم. فلما عرض عليهم مشروع المجلس التشريعي الذي طبخه المثلث الصهيوني المؤلف من تشرشل وصموئيل وبنتويتش، تلقوه بحذر، وفحصوه، فلما وجدوه طعامًا قد دس فيه السم بالدسم عافوه وكذلك المجلس الاستشاري الذي لا يضمن لهم إلا الاستشارة (كما هو ظاهر من اسمه) التي قد يطلبها منهم المندوب السامي البريطاني متى رغب فيها، وهو غير ملزم أن يعمل بها. وكذلك مشروع"الوكالة العربية". فهل إذا رفض عرب فلسطين مثل هذه العروض الواهية التافهة يسمون"سلبيين"؟
أما التقسيم - وهو التمزيق لجسم الوطن - فأية أمة من أمم الأرض قبلته حتى يقبله شعب فلسطين؟ فهذه مصر العزيزة المجاهدة لم تقبل ولن تقبل بقاء جنود الاحتلال الإنجليز في القناة، ولا بفصل السودان كما يشتهي الإنجليز، ولا تزال قصيدة شاعر مصر الأكبر شوقي رحمه الله عن السودان تدوي في الآذان:
فلن نرتضي أن تقد القناة ويبتر من مصر سودانها.