فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 54

فلما نشب القتال بين العرب واليهود في أواخر عام 1947 أثر صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، كان موقف حكومة الانتداب البريطاني موقف المتحيز إلى اليهود، التآمر معهم شأنها طول عهد انتدابها مدة ثلاثين عامًا، فكانت تتدخل - في كل معركة يفوز بها العرب - لحماية اليهود والحيلولة دون استيلاء العرب على ممتلكاتهم ومستعمراتهم، بحجة أنها لا تزال صاحبة السلطة في فلسطين والمسئولة عن حماية أرواح السكان وممتلكاتهم. غير أنها لا تتذرع بهذه الحجة عندما تكون أرواح العرب وممتلكاتهم عرضة للهلاك والدمار. والأمثلة على هذا كثيرة لا مجال لتعدادها الآن. غير أن من الحوادث ماله صلة وثقي بكارثة فلسطين، وأدى إلى هجرة عدد كبير من العرب.

أضرب لذلك مثلًا حادث هجرة أهل طبرية. فقد تم طبقًا لخطة مرسومة لتسليم هذه المدينة لليهود، فإن طبرية تقطنها أكثرية من اليهود وأقلية من العرب. وقد كانت القوات البريطانية خلال المعارك الناشبة بين العرب واليهود تغض طرفها عما يقترفه اليهودي في الأحياء العربية العزلى من السلاح، وتسهل سبيل وصول المدد والنجدات إلى اليهود، وتحول دون وصول المدد والنجدات إلى العرب، مما هيأ لها أن تتدخل وتصل على إجلاء العرب عن المدينة تاركين وراءهم جميع ما يملكون، بحجة أنهم أقلية يخشى عليها من الأكثرية اليهودية!

والمؤامرة في هذا الحادث مفضوحة، والتحيز ظاهر. فقد كان في وسع القوات البريطانية أن لا تحول دون وصول النجدات إلى العرب كما تحل دون وصول النجدات إلى اليهود، أو على الأقل أن تحافظ عليهم وعلى ممتلكاتهم كما حافظت على اليهود في مدينة القدس القديمة وغيرها. فقد كان هؤلاء في وضع أضعف بكثير من وضع العرب في طبرية، وظلت القوات البريطانية باسطة حمايتها عليهم، توصل إليهم الطعام والماء والسلاح والنجدات إلى أن انسحبت من فلسطين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت