فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 483

شيء في ذاته وفي أسمائه وصفاته وأفعاله، ثم قال بعد نفي تلك المماثلة {وهو السميع البصير} فأثبت هذه الصفات على ذلك الأساس وهكذا في جميع الصفات.

وأما دعوى التعدد للآلهة بتعدد الصفات فهو تصور فاسد عقلًا وشرعًا. إن هذه الصفات ـ من السمع والبصر، والقدرة، والحياة، والكلام وغيرها -كلها صفات لذات واحدة أي لموصوف واحد. كما قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} [الأعراف180] وأسماء الله الحسنى إذا جردت من معانيها التي دلت عليها فقد عُطلت؛ إذ كيف يطلب المسلم النصر ممن لا قدرة له، والرحمة ممن لا رحمة له، و هكذا في جميع أسماء الله الحسنى التي أمرنا الله عز وجل أن ندعوه بها دعاء عبادة ودعاء مسألة.

إن المعتزلة ومن سلك طرقهم الملتوية ومنهم الخليلي الذي يقول بقولهم، بل يقول إنهم هم يقولون بقوله، فيثبتون لله عز وجل الأسماء مجردة من المعاني فيقولون في وصف الله - عز وجل: إنه قادر بلا قدرة، حيّ بلا حياة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عالم بلا علم، رحيم بلا رحمة، إلى آخر الإلحاد في أسماء الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.

وللرد عليهم في هذا الإلحاد في أسماء الله وتحريفها عن معانيها، اقرأ أيها المسلم قوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة 1] .

قال ابن كثير في تفسير الآية: (قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش ثم ساقه بسنده عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي ? تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله عز وجل {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ... } إلى آخر الآية [1] . ورواه البخاري في كتاب التوحيد كما روى عنها قالت: قال النبي ?: «إن جبريل عليه السلام ناداني قال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردّوا عليك» [2] .

إن هذه الآية الكريمة وتفسيرها من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقول جبريل عليه السلام لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإن الله قد سمع قول قومه له، كافية في الرد على هؤلاء المعطلة، نفيهم عن الله عز وجل صفة السمع التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله ? وهكذا تعطيلهم ونفيهم عن الله عز وجل صفات الكمال كصفة الحياة والقدرة والكلام على ما يليق بجلال الله وكماله كما قال تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم ... } [البقرة 255] وقوله تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت} [الفرقان 58] وقوله: {وكلم الله موسى تكليمًا} [النساء 164] .إن هذه الصفات الثابتة لله عز وجل هي صفات لذات واحدة، فالله هو الحي، وهو السميع، وهو البصير، وهو الرحيم، وهو القادر، وهو المتكلم. فهو واحد وله الأسماء الحسنى.

ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ? قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة» [3] ، أحصيناه: حفظناه.

وقال ابن عباس رضي الله عنه: «ذو الجلال العظمة، البر، اللطيف» .

يقول ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري وهو يذكر رؤوس الفرق المبتدعة فقال: (وقد سمى المعتزلة أنفسهم (( أهل العدل والتوحيد) ، وعنوا بالتوحيد ما اعتقدوه من نفي الصفات الإلهية لاعتقادهم أن إثباتها يستلزم

(1) تفسير ابن كثير (8/ 60) طبعة الشعب. وهو في المسند (6/ 46) .

(2) وأخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب (وكان الله سميعًا بصيرًا) . قال الأعمش عن تميم عن عروة عن عائشة قالت: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات فأنزل الله تعالى على النبي - صلى الله عليه وسلم - {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} » رقم (7389) ، ورواه ابن ماجة في المقدمة باب: فيما أنكرت الجهمية (1/ 67) (ح 188) ، والطبري في تفسيره (28/ 605) .

(3) فتح الباري كتاب التوحيد باب: إن لله مائة اسم إلا واحدًا (13/ 377) (ح 7392) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت