وفي علم الصوت يُقدِّم الكتاب وصفًا مُتقدِّمًا لمفاهيم جديدة مثل الأصوات المجهورة والمهموسة، وبنية المقطع الصوتي والإدغام والحذف والهمز والإطباق والأصوات المقاربة المفتوحة والمعلقة. ومن بين أصناف الأصوات الموصوفة بدقة الأصوات الشفوية والمقطعية
واللثوية والخيشومية والشجرية والطبقية واللهوية والحلقية والحنجرية [1] .
أمَّا بخصوص الإجراءات المتبعة في التحليل فإنَّ الكتاب هو أول مصنف نحوي يُؤسس أحكامه بالاستناد إلى اختبارات الخطأ والصَّواب، وباستخدام الأنموذج (( Exempla [2] ، وباستشارة فُصحاء العرب [3] ، وكذلك الاستعانة بآراء غيره من كبار النُّحاة [4] .
كما أنَّ منهجه الوصفي المُنتظم ينتقل من العام إلى الخاص، ويرتبط بين التجليات المُتباينة للظَّاهرة النَّحويَّة الواحدة. وبالنسبة إلى إرساء المعايير الوافية للوصف، فإنَّ الكتاب يقدم أتم وصفٍ لغوي للعربية الفصحى إلى يومنا هذا. أمَّا البحث والشَّرح العلمي للقضايا النحوية
(1) يقول سيبويه:"هذا باب الإدغام، هذا باب عدد الحروف العربية ومخارجها ومهموسها ومجهورها وأحوال مجهورها ومهموسها واختلافها"الكتاب (4/ 431) .
(2) ومن ذلك قوله:"وهذا تمثيلٌ ولا يُتكلَّم به"الكتاب (1/ 83، 312، 323) ، وقوله:"فهذا تمثيٌل وإن كان لا يُستعمل في الكلام، كما كان بَراءةَ الله تمثيلًا لسبحانَ اللهِ ولم يُستعمل"الكتاب (1/ 353) .
(3) التزم سيبويه بالمنهج الوصفي، ومن مظاهر ذلك النقل عن العرب، ومن أمثلة ذلك قول سيبويه:"وسمعنا العربَ الفصحاءَ يقولون: انطلقتُ الصَّيفَ"الكتاب (1/ 219) ، ويقول:"وسمعنا الثقة من العرب يقول: يا حرمل؛ يريد: يا حرمله، كما قال بعضهم: ارم؛ يقفون بغير هاء"الكتاب (2/ 244) ، ويقول:"وقد قال قومٌ ترتضي عربيتهم مررت بقادرٍ قبل للراء حيث كانت مكسورة"الكتاب (4/ 138) ، ويقول:"وبلغني عن العرب الموثوق بهم أنهم يقولون: ليسني، وكذلك كأنني"الكتاب (2/ 359) . ويقول:"وسمعنا فصحاء العرب يقولون: لحقٌّ أنه ذاهبٌ، فيضيفون"الكتاب (3/ 157) .
(4) لقد أكثر سيبويه من الاستعانة بآراء مَنْ سبقه من النُّحاة والنقل عنهم، ممَّا الدكتور: فوزي مسعود
يُصِّنف كتابًا أسماه (سيبويه جامع النحو العربي) ، والأمثلة على هذه الظاهرة كثيرةٌ. يقول سيبويه:"وجميع ما وصفناه من هذه اللغات سمعناه من الخليل رحمه الله ويونس عن العرب"الكتاب (2/ 214) ، وقوله:"حدثنا بذلك أبو الخطاب عمن نثق به من العرب"الكتاب (2/ 118) ، وقوله:"وزعم أبو الخطاب أن العرب الموثوق بهم يقولون أنا هذا وهذا أنا"الكتاب (2/ 354) .