يخفى اهتمام سيبويه بأهمية المعنى في الجمل، ومن ذلك قوله:"هذا باب (الاستقامة من الكلام والإحالة) فمنه: مستقيم حسنٌ، ومحال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب، فأمَّا المستقيم الحسن فقولك: (أتيتُك أمْسِ وسآتيك غدًا، وأمَّا محال فأن تَنقض أوَّلَ كلامك بآخِره فتقولَ:(أتيتك غدًا وسآتيك أمس) . وأمَّا المستقيم الكذب فقولك: حَمَلتُ الجبلَ وشربت ماء البحر ونحوه، وأمَّا المستقيم القبيح فأنْ تضع اللفظ في غير موضعه؛ نحو قولك: قد زيدًا رأيت، وكي زَيدٌ يأتيك وأشباه هذا، وأمَّا المُحال الكذب فأن تقول: سوف أشرب ماء البحر أمسٍ". [1] ومن ذلك قوله:"وذلك قولك: (مررتُ برجلٍ حِمارٍ) ، فهو على وجهٍ محالٌ وعلى وجهٍ حَسَنٌ، فأَمَّا المحُالُ فأَن تَعنَى أنَّ الرجلَ حِمارٌ، وأَمَّا الذي يَحسُن فهو أن تقول: (مررتُ برجلٍ) ثم تُبْدِلَ (الحِمارَ) مَكَانَ (الرجل) فتقولَ: (حِمارٍ) ؛ إمَّا أن تكونَ غلِطتَ أو نَسِيتَ فاستَدركتَ، وإمّا أن يَبْدُوَ لك أَن تُضربَ عن مرورك بالرجل وتَجعلَ مكانه مرورَك بالحمار، بعد ما كنتَ أردتَ غيْرَ ذلك". [2]
ومن ذلك قوله:"هذا باب اللفظ للمعاني: اعلم أنّ من كلامِهم اختلاف اللفظينِ لاختلاف المعنيينِ واختلافَ اللفظينِ والمعنى واحدٌ، واتِّفاق اللفظين واختلاف المعنيين .. ، فاختلافُ اللفظين لاختلاف المعنيين هو نحو جلسَ وذهبَ، واختلاف اللفظين والمعنى واحدٌ نحو ذهبَ وانطلقَ، واتفاق اللفظين والمعنى مختلِف قولك: وجَدتُ عليه من المَوْجِدة، ووجَدت إذا أردت وجِدان الضّالَّة. وأشباه هذا كثيرٌ". [3] قوله:"فإِن قلتَ مررتُ برجلٍ صالحٍ ولكنْ طالحٍ فهو مُحالٌ؛ لأنّ لكنْ لا يُتدارك بها بعد إيجاب ولكنّها يُثْبتُ بها بعد النفى". [4] وقوله:"واعلم أنَّه مُحال أن تقول: عبد الله نِعْمَ الرَّجل؛ والرجل غير عبد الله، كما أنَّه مُحالٌ أن تقول: عبد الله هو فيها؛ وهو غيره". [5] وقوله:"أنَّك لا تقول: لقيتُه الدَّهرَ والأبدَ؛ وأنت تريد يومًا منه". [6] وقوله:"لا تقول: مررت برجلٍ جميله حسن الوجه". [7] وقوله:"ولا يجوز أن تقول:"
(1) الكتاب (1/ 25 ـ 26) .
(2) الكتاب (1/ 439) .
(3) الكتاب (1/ 24) .
(4) الكتاب (1/ 435) .
(5) الكتاب (2/ 177) .
(6) الكتاب (1/ 217) .
(7) الكتاب (2/ 50) .