فالأولى: أنَّ الاهتمام العميق الظَّاهر الآن باللسانيات العربية هو من غير شكٍّ نتيجة لتطور اللسانيات العامة وصقْلها؛ إذ وَضع هذا التطورُ العلماءَ الغربيين في مستوى يمكنهم فيه أن يُقدِّروا عمق التفكير اللساني العربي ودقَّته. والنقطة الثانية: أنَّ من الواضح أنَّه على المستوى النَّظري الكلِّي أو على المستوى التَّطبيقي كليهما هناك بعض الدروس التي يُمكن للِّسانيات الحديثة أن تتعلمها من النحويين العرب القدماء ... ، وإنَّ المُهتم باللسانيات العامة الذي يعرف العربية أو هو على استعداد لأن يتعلم من العربية ما يُمكِّنه من فهم مُحتوى المقالات التي تحويها هذه المجموعة ربما يجد بعض المعلومات التي يمكن أن تقود إلى تعديل بعض آرائه التي تأسست كلها على التقاليد الغربية.
ويرى رمزي بعلبكي أنَّ سيبويه ضحى بالاختلافات اللهجية في سبيل تكوين نظرية لسانية مُنضبطة. [1] وهذا ماذهب إليه مايكل كارتر.
ومن المُبرَّزين في الإسهام بدراسة النحو العربي كذلك جوناثان أوينز في كتابه"مقدمة للنظرية العربية النحوية في القرون الوسطى" [2] . ويُشير في المدخل الذي صدَّر به الكتاب إلى أنَّ الفكرة التي مُؤدَّاها أنَّ المُمارسة اللِّسانية العربية يُمكن أن تُفهم حقَّ الفهم من خلال المبادئ اللسانية العامة؛ لم تبدأ إلا في أوائل سبعينيات القرن العشرين. ويلاحظ في المقدمة أنَّ كلمة"القرون الوسطى"التي تظهر في عنوان الكتاب؛ تدلُّ على أنَّ النَّظرية العربية النحوية في تلك الفترة تتشابه مع النظرية اللسانية المعاصرة في عدد من الأمور الأساسية، وهو ما يجعل مُناقشتها أسهل للقارئ الغربي. ويُشير كذلك إلى أنَّه يُمكن البرهنة على أنَّ أحد الأسباب التي أدَّت إلى عدم تقدير النظرية العربية حين اكتشفها الغربيون في القرن التاسع عشر إبّان تكوُّن التقاليد الإستشراقية، أنَّه لم يكن في الحضارة الأوروبية في تلك الفترة ما يُماثلها. ولم تُوضع هذه النَّظرية في منظورٍ أفضل إلا مع التقاليد البنيوية التي أتى بها دي سوسور وبلومفيلد