الصفحة 17 من 32

{وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ} أي يَنظر إلى هَدْيِكَ وأخلاقك وإلى أدلة نُبُوَّتك الصادقة، ومع هذا فهم لا يَهتدون، بسبب تكَبُّرهم عن الانقياد للحق، {أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ} : يعني أفأنت تقدر على أن تَخلق للعُمْي أبصارًا يَهتدون بها؟! فكذلك أنت لا تقدر على هدايتهم، {وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ} يعني: وخصوصًا إذا كانوا فاقدي البَصيرة - وإنما هدايتهم بإذن اللهِ وحده - إذًا فلا تحزن عليهم.

? وفي هذا إشارة إلى أنّ عدم هدايتهم كان بسبب استحبابهم العَمَى على الهُدَى وإيثارهم للدنيا على الآخرة، ولذلك قال تعالى بعدها: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا} {وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي يُعَرِّضونها لغضب اللهِ وعقابه (إذ يأتيهم الحق فلا يَقبلونه، فيُعاقبهم اللهُ بالطبع على قلوبهم، والخَتم على أسماعهم وأبصارهم) .

الآية 45: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} أي: واذكر أيها الرسول يومَ يَجمعهم اللهُ تعالى للبعث والحساب، فيَكونونَ {كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا} أي كأنهم لم يَمكثوا في الدنيا (وهم أحياء) ولا في قبورهم (وهم أموات) {إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ} ، فكأنهم قد نسوا في تلك اللحظة كل ما مَرَّ بهم في الدنيا وكل ما مَرَّ بهم في القبر، وذلك لِمَا شاهَدوه من أهوال القيامة، ولِطُولِ وقوفهم في حر الشمس، ولِتَغطية العرق لجميع جسدهم، وبسبب رؤيتهم لجهنم التي سيُعذبون فيها (والإنسان إذا عَظُمَ خوفه: نَسِيَ كل ما مَرَّ به مِن نعيمٍ أو عذاب، خاصةً إذا قارَنَ ذلك بعذاب الآخرة الأبدي) .

? وهم في هذا الموقف {يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} : أي يَعرف بعضهم بعضًا كحالهم في الدنيا (واعلم أنّ هذا التعارف هو تعارف توبيخ، حيث يقول بعضهم لبعض:(أنت أضللتَني وأنت أعَنتَني على الكفر والشرك) ، وغير ذلك، {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ} حيث استبدلوا النعيم المقيم بالعذاب الأليم، {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} أي وما كانوا مُوَفَّقين لإصابة الرشد فيما فعلوا في الدنيا.

الآية 46: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ} يعني: وإمَّا أن نُرِيَكَ - أيها الرسول - في حياتك {بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ} من العقاب - كما حدثَ في بدر - {أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ} قبل أن نُرِيَكَ ذلك فيهم: {فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ} في الحالتين بعد موتهم {ثُمَّ} نُصيبهم بالعذاب الذي نَعِدهم، والذي استحقوه بأفعالهم، فقد كانَ {اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} ، ولم يَخْفَ عليه شيءٌ من أفعالهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت