الصفحة 27 من 38

بين الجنائز، وإن لم نصيرهم قاعدة التمييز بين الجثث، يختلط علينا جنازة الثرى بالثريا، وجنازة الصالح بالطالح، ولا نستطيع التمييز بين جنازة التبر من جنازة الترب.

وهذا الاختلاط في الجنائز يؤثر في بناء المجتمع بناءً قويًّا، وعدم التمييز يصعب عملية إقامة مجتمع سليم ومعافى من الآفات والأزمات والبلايا.

ومن أمثلة هذا الأمر ترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على من كان عليه دين - والعلماء ورثة الأنبياء - لماذا لم يصل عليه؟! لأن في موته وعليه دينُُ دليل على أنه لم يراع حق مجتمعه، وبرهان على عدم حرصه على إيفاء حقوق الآخرين - وإن كان هناك تفصيل - لكن هذا مؤشر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - على هذا الأمر، وأصل في قضية مهمة وهي (أنه يجب على مَنْ تولى أمرًا من أمور المجتمع أن يكون صاحب ذمة، ويهتم بإبراء ذمته، وإيفاء حقوق الآخرين) .

ولذلك تقول العامة: فلان ليس له ذمة، عندما يكرهون توليه أمرًا من أمور المجتمع، وعندما يخشون أكل حقوقهم، وممن ورث هذا الأصل من الرسول - صلى الله عليه وسلم - وحاول توضيح هذا المؤشر في المجتمع سفيان الثوري - رحمه الله - فقد ترك الصلاة على بعض أهل البدع، بل كان يحضر في بعض الأحيان الجنازة فإذا أرادوا التكبير يخرج من بين الصفوف علانيةً، حتى يتبين للناس عدم استقامة منهج هذا الرجل، وأن مبادئه وأفكاره تهدم المجتمع.

وكما قلت أولًا: إنَّ العامة تقول عن بعض من كرهوا توليه أمرًا من أمور المجتمع أو يخشون أن يأكل حقوقهم: (فلان ليس له ذمة) ، ومع ذلك قد يتجمهر العامة حول جنازته، وقد تتزاحم حول جثته في الوقت الذي يترك التجمهرَ العلماءُ، ويدع التزاحمَ المشايخُ.

فالعبرة في التمييز بين الجنائز هم العلماء، والتعويل في ذلك على المشايخ.

ولذلك في الوقت الذي يسافر فيه العلماء إلى الحرم للصلاة على الشيخ عبد العزيز بن باز، ويتوافد المشايخ على المسجد الحرام للصلاة عليه، ويحرص على تشييعه هؤلاء العلماء - الذين هم شهداء الله في أرضه - أنفسهم يخرجون من الحرم، وينفرون من المسجد الحرام عند إعلان صلاة الغائب على بعض الناس!

لماذا خرجوا؟ لأنهم يعرفون عدم صدق ما تبناه؟! ولماذا نفروا؟ لأنهم يعرفون ضعف أفكاره، وخطرها على المجتمع، ويلاحظون عواقب مسلكه على المسلمين، ويملكون براهين على هشاشة مبادئه، وعندهم أدلة على ضعف منهجه، لابد أن هناك من عاتبهم على نفورهم من المسجد الحرام، وأنبهم على ترك الصلاة على الغائب، وعلة إنكار هؤلاء على العلماء أنهم لم يعرفوا، ولم يفهموا ولم يلاحظوا ما لاحظه وما عرفه وما فهمه العلماء، ولهذا لما لاحظوا ما لاحظه العلماء وعرفوا ما عرفه المشايخ، وقرءوا كتاب الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - (في نبذ القومية العربية) وجدتهم في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت