داخل المملكة وخارجها يستفتون مفتي المملكة، أو يكتبون إليه لكي يسألوه عن أمور عديدة متنوعة [1] .
فكون الشخص لا يرى بسبب العمى أو بعلة الانغلاق في الدور لا يدل على عدم قدرته على إدارة الأزمات.
فما بالك بمن كان إدراكه القوي وقوة تدبره يفسر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ} [البقرة: 282] .
ويشرح قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] .
ثانيا .. .
ينقل الإمام أحمد قوله لأهل البدع والمخالفين: «بيننا وبينكم الجنائز» ، في الحقيقة ليس التجمهر وحده حول الجنازة كافيًا في صدق ذاك الميت في المجتمع، وليس التزاحم فقط حول تلك الجثة برهانًا على قوة مبادئ وصحة أفكار ذاك المتوفى، بل العبرة في نوعية المزاحمين، وإلى أي طبقة من المجتمع ينتمي المتجمهرون، فقد يتزاحم العامة وحدهم حول جنازة ما، وقد يتجمهر العامة وأمراؤهم فقط وهذه أعلى من التي قبلها، وأعلى منهما أن يتزاحم العامة ويتجمهر الأمراء ويلتف حولها العلماء.
ومثال ذلك جنازة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله -.
فالعلماء هم أولى الناس بالدخول في حديث: «أنتم شهداء الله في أرضه» عندما مرت جنازة فأثنى عليها الصحابة - - رضي الله عنه -م - خيرًا، فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: «وجبت» ومرت أخرى فأثنى عليها الصحابة شرًّا فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم: «وجبت» ثم قال الرسول - صلى الله عليه وسلم: «أنتم شهداء الله في أرضه» [2] .
فالعلماء هم أول من يدخل في معنى هذا الحديث، وعليهم التعويل في الشهادة، ولذلك أشهدهم الله على وحدانيته، فقال: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 18] .
فإذا التف العلماء حول جنازة ما فهم أصل في صدق ذاك الميت، ودليل على صحة مبادئه، وعلامة على قوة أفكاره، وبرهان على استقامة منهجه، وطريق إلى متانة مسلكه، وإن لم نجعل العلماء الفارق
(1) "مجلة اليمامة"السبت 14/صفر 1420 هـ مقال د/الرواف.
(2) أخرجه البخاري (1367) ، ومسلم (949) من حديث أنس