فمن آيات الله قوله - صلى الله عليه وسلم: «من تواضع لله رفعه» [1] في الحقيقة شهد القاصي وأقر الداني على تواضع الشيخ ابن باز، وفي الحقيقة لا يوصف من لا يملك جاهًا بأنه متواضع، كما أنه لا يوصف شخص لا يملك دنيا بالزهد، ولا يوصف من لم يملك مالًا بأنه بخيل.
فشهادة القاصي وإقرار الداني على تواضع الشيخ لأنه يملك جاهًا عريضًا ظهر من خلاله التواضع ناصعًا، وسمعة واسعة اتضح منها التواضع جليًّا، ومنصبًا رفيعًا بأن منه التواضع ساطعًا.
وبما أن هذا الداني، وذاك القاصي يعلمان علمًا يقينًا أن الشيخ لم ينل الجاه العريض بثراء مادي، ولم يكسب السمعة الواسعة بنسب، ولم يحصل على المنصب بشهادة.
ومع ذلك تجدهما يقرَّان بمنصبه، ويشهدان على جاهه، ويعترفان بسمعته.
فما سبب ذلك؟!
السبب هو أن الشيخ - رحمه الله - كان يملك يقينًا قويًّا، وعنده قوة يقين تجاه حديث: «من تواضع لله رفعه» . وهذا اليقين القوي وقوة اليقين هي التي يفقدها الذين يبحثون عما يبحث عنه الشيخ - رحمه الله - من منصب رفيع ليتسنى لهم أمر الناس بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ومن جاه عريض ليستطيعوا به التوسل والشفاعة في أعمال الخير، وسمعة واسعة ليزاولوا بها تعليم الناس وإرشادهم.
فمن تدبر أحوال الشيخ في بداية حياته الوظيفية ومع الناس عرف بأن الشيخ يملك قوة يقين بأنه لا يمكن أن يطاع أمره بالمعروف، ولا يمكن أن يسمع نهيه عن المنكر إلا من طريق المنصب الرفيع، وأيقن بأنه لا ينال هذا المنصب الرفيع إلا عن طريق اليقين القوي بهذا الحديث وقوة يقين بذاك الأثر.
ومن استقرأ أفعاله في أوائل أيامه في التعليم والتوجيه علم بأن الشيخ جعل هذا الحديث - واليقين القوي به - نصب عينيه، وأنه لا يمكن تعليم الناس في أقصى الشرق، وإرشادهم في أقصى الغرب إلا عن طريق السمعة الواسعة، وأنه لا وسيلة إلى هذه السمعة إلا هذا الحديث واليقين فيه.
ومَنْ سبرَ أمورَ الشيخ في الخمسينيات والستينيات، وحوله مَنْ يريدُ الشفاعةَ والوسيلةَ وهو لم يملك الجاه العريض بعد، وقارنها بحاله قبل وفاته وهو ذو جاه عريض، وعريض الجاه أيقن بأن الشيخ نصب هذا الحديث واليقين فيه أمام ناظريه، وأنه لا يمكن الشفاعة لمن أرادها ولا الوسيلة لمن ابتغاها إلا بالجاه العريض، ولا يمكن الحصول على هذا الجاه إلا بسبيل اليقين بهذا الحديث.
فالشيخ عبد العزيز إمام في منصبه وجاهه وسمعته التي لولا توفيق الله له بالصبر على هذا الخُلُق العظيم - التواضع - وتصبيره على امتثال اليقين بمفعوله لم ينل الإمامة، كما قال الإمام أحمد: بالصبر واليقين
(1) أخرجه أحمد في المسند (3/ 76) من رواية جابر بن عبد الله