الصفحة 30 من 38

تنال الإمامة في الدين وتلا قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .

رابعا .. .

لا تنسجم أفعال الإنسان وأقواله إلا إذا حدد الهدف بدقة، ولا تتناسق سكناته مع حركاته إلا إذا اتضحت له الغاية غاية الوضوح، ومن ليس كذلك تجده متخبطًا، فتجد منه تواضعًا في محل كبر، وكبرًا في محل تواضع، ومن لم يكن كذلك تجده يضع السيف في موضع الندى، ويضع الندى في موضع السيف.

في الحقيقة تذكرت هذا الأمر عند قراءة كتابات لبعض من عاشر الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - في أول حياته، وفي وسطها، وفي آخرها، فتجد بعضهم يصفه بالتواضع في موضع المصلحة فيه التواضع، وآخر يصفه بالشدة في موضع لولاها لضاعت المصلحة، وهناك من يصفونه باللين الدافع لمفسدة متحققة لو استخدمت القوة.

وهذه الصفات تجدها مجتمعة في أول حياته، وفي وسطها، وفي آخرها، وهذا أمر صعب، وصعوبته تكمن في أول حياته، ووسطها وقت التنافس الشخصي، والتطلع إلى المادة، والبحث عن الذات، بخلاف آخر الحياة فالأمر يسير، لذا كتب الشاعر الرصافي إلى نوري السعيد قائلًا: « .. . أظنك لا تتهمني بشيء فيما قلتُ في هذه الأبيات، وأزيدك أنني اليوم واقف على شفير القبر أعيش آخر أيامي مجردًا من الأهل والسكن، ولا ولد لي أخشى ضياعه، ولا عقار أخاف انهدامه، فمن السفه أن أتكلم عن هوى أريده أو عن غاية خاصة أقصدها وإنما غايتي فيما أقوله المصلحة العامة» [1] .

وقال الأستاذ عصام العطار: « .. . لم أذكر هنا ما ذكرته من حديثي مع الأستاذ على الطنطاوي للتفاخر، فقد جاوزت الآن السبعين من العمر .. .» [2] .

وعودًا على بدء لم يكتمل هذا الجانب من شخصية الشيخ بهذا الأمر، بل هناك مكمل ومتمم يكمن فيه كون الهدف محددًا بدقة، ويتضح منه كون الغاية واضحة غاية الوضوح، وهو أن مَنْ يصف الشيخ باللين لا ينكر على من يصفه بالشدة، ومن ينعته بالتواضع لا يستنكر نعت الآخرين له بالحزم، بل تجد المخالط له يصفه باللين مرة، ومرة ينعته بعدم المرونة، ومع ذلك لا يرى في نفسه تناقضًا ولا في كلامه تعارضًا.

(1) رسائل الرصافي (ص 115) بتصرف.

(2) صحيفة"الشرق الأوسط"20/ 3/1420 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت