الصفحة 31 من 38

فهذا الانسجام التام في أفعال الشيخ وأقواله، وذاك التناسق الكامل لا يتأتى إلا لمن حددَ الهدفَ من حياته بدقة متناهية، واتضحت له الغاية من خلقه غاية الوضوح.

فكلما حُدد الهدف بدقة انسجمت هذه المعاني وحلت في موضعها، فلا الندى في محل السيف، ولا السيف في موضع الندى، وكلما كانت الغاية واضحةً تناسقت هذه الصفات، فلا تواضع في مكان لا تواضع فيه ولا كبر في محل التواضع.

وهذا الانسجام وذاك التناسق ليس بمقدور شخص يبحث عن ذاته في ملف المصلحة العامة، وليس بإمكان شخص يفتش عن حظوظ شخصية على حساب حظ الناس، وبعيدة هذه المعاني الكبيرة والحكمة في استخدامها، وتلك الصفات والحكمة في استعمالها عن إنسان ينقب عن المادة في أرضية العامة.

فالشيخ عبد العزيز أنكر ذاته أمام ما ينفع المسلمين، ونسي حظه الشخصي في غمرة حظ الناس، وذوَّب المادة على أرضية العامة.

لذلك انسجمت أفعاله طوال حياته مع أقواله، وتناسقت أقواله مع أفعاله، لذا فلا غرو أن تجد من لان معه الشيخ وعامله بالمرونة يناديه بـ (الوالد) ، وفي نفس الوقت من استخدم معه الشيخ الشدة والحزم يصفه بـ (سماحة الوالد) .

لأن هذا وذاك يعلمان أن الشيخ هدفه المحدد (الآخرة) ، وأن غايته النهائية (المصلحة العامة) ، فمثله ومثلهم كأب لأبناء - نسبًا - لا يَشُكُّون في حبّ والدهم لمصلحتهم، ولا يرتابون في حرصه على منفعتهم.

يعجبك مَنْ يتمسك بمقولة: (الاعتراف بالحق فضيلة) ، وبعبارة: (رحم الله رجلًا عرف قدر نفسه) ، فهناك من لا يرى من نفسه الأهلية لمنصب (الأبوة) وعرف أنه التزام صعب بأخلاق صعب التمسك بها في جميع المقامات، وفي مختلف الأحوال، فتنازل عن هذا المنصب مشكورًا بقوله: «عندما كنت عميدًا لكلية التجارة أقول للطلبة: لستم أبنائي فلي أولادي، ولكم آباؤكم، ولكن اعتبروني إذا استحققت ذلك - أخًا كبيرًا - ولا أزال أقرر هذه لكل من يقرر أنني أبوه» [1] .

إذًا فلا غضاضة بعد تنازله هذا أن لا تنسجم أفعاله مع أقواله، وأيضا لا غضاضة بأن لا تتناسق أقواله مع أفعاله.

حيث قال: (استدركت على أبي عبد الرحمن بن عقيل جزئية من جزئيات محاضرته التي ألقاها في مؤتمر الطلبة الخليجيين في لندن - حيث قال أبو عبد الرحمن: «إنه لا يصدق ما يقوله العلماء

(1) من كتاب «صوت من الخليج» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت