قد يوجه إلى خيالاته، إلا أن مع الوقت يستطيع الناس أخيرًا أن يتفهموا لماذا يرى القائد الأشياء بهذا الشكل؟» [1] .
فالشيخ إمام في الإنفاق، ويتمتع بيقين ممتاز أعلى من الحاسة الممتازة، وما يقينه وتسليمه إلا من الأفكار النيرة، لكن ليس كل الناس يستطيع أن يعرف أبعاد اليقين ويقرأ مستقبل التسليم إلا من رزقه الله يقينًا يعرف به وتسليمًا يقرأ من خلاله، ومن لا يدرك ذلك يقال له بأن الشيخ يعلم علمًا يقينًا أنه لولا إنفاق الألف الأولى على شخص واحد لما جاءت الألف الثانية ومن ثم إنفاقها على شخص آخر، وما إلى ذلك .. .. ولما صار الأجر أجرين، وبهذه المعادلة زاد الراتب، وزاد عدد المنفق عليهم وتضاعف الأجر.
ثامنا .. .
الإمام أحمد - رحمه الله - إمام في الزهد، وإمام في الورع والتقى، وإمام في العلم، فحياته - رحمه الله - تفسير لقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] .
فمثله إمام في عدة جوانب قد تصدر منه كلمات أو أفعال لها عدة معانٍ، فقد قال - رحمه الله: «بيننا وبينكم الجنائز» يقصد أهل البدع والمخالفين له، لشدة يقينه بصحة معتقده واتباعه وسلوكه، وإذا كانت إمامة الإمام أحمد تفسر الآية فإمامة الشيخ عبد العزيز بن باز تترجم هذه المقولة، فليس في هذا العصر جنازة صلي عليها في الشرق والغرب وفي الشمال والجنوب مثل جنازته - رحمه الله -، ولا أعرف ميتًا رثي (بحق) كما رثي هذا الشيخ، وسبب هذا وذاك صحة معتقده، وحسن اتباعه للشرع واستقامة سلوكه ومنهجه رحمه الله.
فهنا عبرة وفائدة من هذه المقولة وتلك الترجمة، وهي للمخالف للشيخ أحوج منها للموافق له في حياته، فيجب على المخالف أن يسأل نفسه عن سبب تجمع المصلين على جنازته في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ويضع استفهامًا حول تلك المراثي وتلك التعازي التي شملت جميع مستويات الناس من الحاكم إلى المحكومين، ومن الرئيس إلى المرؤوسين، فلا يمكن أن يقبل الناس على شخص، أو يتأثر جمع عظيم بوفاته إلا لسر مكنون لا يمكن يناله إلا مخالف أراد الله له التوفيق فيما بعد وفاة الشيخ، وجذر عميق لا يمكن الوصول إليه إلا مخالف أراد الله أن يحبه بعد وفاة الشيخ، وهذا السر المكنون، وذاك الجذر العميق هو أن الله - سبحانه وتعالى - لا يمكن أن يطرح لرجل القبول في الأرض، وينشر محبته لشخص بين الناس إلا شخص يحبه ورجل قبله.
(1) «مجلة عالم الإدارة» - العدد 4 (ص 14) .