كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: 70] .
وادِّعاء سيطرة العولمة قد يُثبت المستقبلُ القريب عدم فاعليته، لا سيما مع التواتر بين المفكرين على أنَّ الدعوة إلى العولمة في كل شيء لم تُثبت جَدواها؛ لأنها تَسير في اتجاه واحد، في ضوء شُيوع نظرية المركز أو المحور والأطراف، وأن الأطراف ينبغي أن تخدم المركز، وأنه لم يَظهر في الأطراف علماء مؤثِّرون، بل متأثرون، بحيث أصبح الإنسان في الأطراف غير مؤثر، حتى إذا ما"رحل"إلى المركز"لا يَلبث أن يُصبح عالمًا مرموقًا، أو باحثًا لامعًا بعد الهجرة إلى إحدى الدول الرأسمالية المركزيَّة، والانخراط في بنائها المركزي المتكامل" [1] .
بل وصل الأمر إلى تسنُّم المناصب القيادية في السياسة والاقتصاد والاجتماع، يتم ذلك بعد تبنِّي ثقافة المحور وتجاهل ثقافة الأطراف، وربما التنكُّر لها ولو ظاهريًّا؛ إذ يصعب واقعيًّا التنكُّر للجذور على الدوام.
ولذا فلا بد من التركيز على هذه الخصوصية الثقافية الدافعة لا الحاصرة، وأخذِها في الحسبان عند سَنِّ النظم والقوانين الغربية التي تَحكم العلاقات الإنسانية والاجتماعية [2] ، وتتبناها المنظمات الدولية الحقوقية وغيرها، وتطالب الدول الأعضاء بتبنِّيها والعمل بموجبها.
يأتي التركيز على هذا البُعد من منطلق أن"كرامة الإنسان وحقوقه أمر لازم وثابتٌ له، قد ينطلق من معتقد ديني أو نص قانوني أو موقف إنساني، لكن حقوق الإنسان تبقى في النهاية أمرًا لا بد من سعي الأفراد والدول والمنظمات الدولية والجمعيات والمؤسسات المدنية للدِّفاع عن هذه الحقوق والمحافظة الدولية عليها" [3] . والمراد بهذه الكرامة والحقوق ما يتماشى مع فطرة الإنسان التي أقرتها التشريعات السماوية، وجاءت بها الكتب المنزلة، وبلَّغَها الأنبياء المرسلون.
(1) انظر: أيوب أبو دية، لماذا انحصرت التأثيرات العلمية المتبادلة بين العرب والغرب؟ ص 271 - 282، في: عبدالواحد لؤلؤة. وآخرين/ محررين، العرب والغرب، أوراق المؤتمر العلمي السنوي السابع لكلية الآداب والفنون، جامعة فيلادلفيا، عمان، الجامعة، 2003 م، ص 599.
(2) انظر: فوزية العشماوي، الحوار بين الحضارات وقضايا العصر: العولمة وآثارها على الخصوصيات الثقافية - الاجتهاد، ع 52 و 53 (خريف وشتاء العام 2001 - 2002 م/ 1422 هـ) ، ص 97 - 112.
(3) انظر: سعيد حارب المهيري، حقوق الإنسان في العلاقات الدولية الإسلامية - الاجتهاد، ع 52 و 53 (خريف وشتاء العام 2001 - 2002 م/ 1422 هـ) ، ص 133 - 185.