الوقفة الثالثة
خصوصية المجتمع
إن خصوصية المجتمع العربي والإسلامي تنبع من تمثله دافعية الشرع، ولا تنبع من تقهقره؛ بحيث لا نسمح بالقول بأن تأخره إنما جاء بسبب تمكسه بالإسلام؛ كما يردد بعض المتحمسين للعلمانية، ومِن بينهم بعض المستشرقين وبعض المنصِّرين الذين درَسوا الإسلام [1] .
يقول محمد أسد في كتابه"الطريق إلى مكة":"الآراء الشائعة في الغرب عن الإسلام تتلخَّص فيما يأتي: انحطاط حال المسلمين ناتجٌ عن الدين الإسلامي ذاته، ولا يمكن أن نَعدَّه عقيدة دينية مثل المسيحية واليهودية، وأنه أقربُ إلى خليطٍ غير مقدَّس من خيالات الصحراء والحسِّية الشهوانية، والخرافات والاتكاليات والإيمان بالقدر، وهي قيمٌ تَحول بين المسلمين وإحراز أي تقدُّم اجتماعي راقٍ وفاضل، وبدلًا من تحرير البشر من عراقيل الغموض والظلام كبَّلهم الإسلام أكثرَ، وبمجرد تحررهم من العقيدة الإسلامية وتبنِّي مفاهيم الغرب في أسلوب حياتهم وفِكرهم؛ فإن ذلك سيَكون أفضلَ لهم وللعالم كلِّه" [2] .
على أي حال فإن هذه المقولة قد وُظِّفَت من منطلقات مختلِفة، وكلُّها تصبُّ في النهاية في الدعوة إلى التخلي عن هذه الخصوصية القائمة على الإسلام دينًا وثقافة، وقد تأثر بها بعضٌ مِن بَني قومنا، فأصبحوا لا يحبِّذون هذا المنطلق، بل ربما يَدْعون إلى نبذ هذه الخصوصية؛ خوفًا من أن تُخرجنا من هذا الرَّكب! وإذا ما حصل هذا فعلًا فإنه لم يَعُد في الأمر خصوصية [3] .
ليس من السهل أن نتوقف عند كل تطور ونرفضَه؛ بحجة أنه يتعارض مع خصوصيتنا، ولا يَعني هذا كذلك عدم إعمال التقويم لكلِّ جديد، والنظر في توافقه أو تعارضه مع مشروعنا الثقافي والحضاري، ولكن الأمر هنا يتعلق بالمنطلق الراقي جدًّا القائم على أن الأصل في الأشياء القَبول.
(1) - انظر: رضوان السيد. مسألة الحضارة والعلاقة بين الحضارات لدى المثقفين في الأزمنة الحديثة، أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية 2003 م، ص 9 - (سلسلة دراسات إستراتيجية، 89) .
(2) - انظر: محمد أسد. الطريق إلى مكة/ ترجمة رفعت السيد علي، تقديم صالح بن عبدالرحمن الحصن - الرياض: مكتبة الملك عبدالعزيز العامة 1425 هـ، ص 269.
(3) - انظر: فرانسوا بوجارت. الخصوصيات لا تعني أن هناك تناقضًا جوهريًّا بين القيم - قضايا إسلامية معاصرة - ع 28 - 29 (صيف وخريف 2004 - 1425 هـ) ، ص 71 - 80.