أقول هذا وأنا ألحَظ منطلق بعضنا المعاكِسَ لهذه القاعدة الأصولية؛ إذ ربما يَذهب الذهن عند بعض هؤلاء إلى أن الأصل في الأشياء المنع، أو حتى التحريم عند البعض، لا سيما إذا ورَدَتنا من طرق خارجية؛ كالمتغيرات التي لا تؤثر في الثوابت؛ من الاختراعات، والتطورات العلمية والتقنية، والسلوكية الاجتماعية، والاتصالات الدولية، والأطروحات الثقافية، التي يَلزم الإسهام بها وتصديرها، لا التوقف عند ورودها، ثم استهلاكها.
وقد حدث في السابق القريب رفضٌ من بعض الناس لهذه الإنجازات الداخلية في مفهوم المتغير، ليس من منطلق اجتماعي ضيق، ولكن من نظرة تُعْزى إلى الدين؛ بحجة أنها تؤثر سلبيًّا على الثوابت [1] ، دون إغفال أن هذا الموقف ناتجٌ في منطلقه عن هاجس حماية الدين من أي دخيل، فمنبعُه الإخلاص، لكنه قد يكون جانَبه الصواب، وقد قيل: إن الإنسان عدوُّ ما جهل. وقد عولجت هذه المواقفُ في حينها من قِبَل بعض القيادات السياسية والعلمية بحكمةٍ ورَويَّة، وسرَت هذه التغييرات بهدوء، وأفاد منها الكثيرون.
يقول حسن حنفي:"جدل الثوابت والمتغيرات موجودٌ في كل فكر وثقافةٍ وحضارة ودين، وليس في الفكر الإسلامي وحده؛ لأنه يعبر عن العلاقة بين القديم والجديد، بين الماضي والحاضر، بين الأصالة والمعاصَرة، بين النقل والإبداع، بين التأخير والتقديم، بين الثَّبات والحركة في تاريخ الأمم والشعوب. لا غِنى لأحدهم عن الآخر."
ويقوم الجدل على التكاملِ وليس على الإقصاء، وعلى التبادلِ وليس على الاستبعاد؛ هُما لفظان متضايفان لُغويًّا، لا يُفهم أحدهما إلا بالآخر ... وكلاهما صحيح. ليس أحدُهما صوابًا والثاني خطأً. الثابت ضروريٌّ للمتغير، والمتغير ضروري للثابت؛ كل منهما يتضمَّن الآخرَ فيه [2] .
(1) - انظر: بشير عبدالفتاح. الخصوصية الثقافية - القاهرة - نهضة مصر 2007 م، ص 37. (سلسلة الموسوعة السياسية للشباب 20) .
(2) انظر: حسن حنفي. جدل الثوابت والمتغيرات في الفكر الإسلامي - التسامح - ع 13 (شتاء 1427 هـ/ 2006 م) ، ص 10 - 22.