الصفحة 14 من 44

فلا انغلاق على التراث لمجرَّد أنه تراث، ولا انفتاح على الحداثة يُفضي إلى الانسلاخ من الأصالة؛ إنها نظرة تَوازنية، فيها قوة في عامل الثقة، وفيها اعتراف بالحاجة إلى الإقلاع [1] ، دون إغفالِ المعطَيات الثقافية التي جعلَت من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة منطلقًا لها.

في تحرير هذه الثنائية المصطنَعة والتضادِّ المفترض؛ يَنقل عبدالله السيد ولد أباه عن طه عبدالرحمن أن واقع التدخل بين الخصوصية والكونية يأتي من وجهين؛ هما كون"الخصوصية عنصرًا في الكونية"؛ باعتبار أن الكونية"تأليف صريح بين خصوصيات مختلفة"، كما أن"الخصوصية جسد للكونية؛ فالكوني لا يتجرد من الخصوصية بأي حال"، وإذا بطل القول بالتضاد بين الخصوصية والكونية جاز أن تُقبل الخصوصية الإسلامية الاجتماعية إلى الكونية؛ أي: تكون باصطلاحنا خصوصية جامعة [2] ، كما جاز أن تقبل الكونية الاجتماع بالخصوصية الإسلامية، وأن تَأخذ منها وعنها.

إنَّ مِن حق المجتمع العربي والإسلامي"أن يدافع عن هويته الثقافيَّة، وأن يتمسك بمقومات ثقافته الأصلية، وعناصرها ومكوناتها، ولكن من الخطأ أن يكون السبيل إلى ذلك هو الانطواء الثقافي على الذات، والانغلاق عن التأثيرات الثقافية الأجنبية؛ لأن ذلك الانغلاق سوف يؤدي إلى جمود الثقافة العربية ذاتها، وإضعافها، وعدم تجديد حيويتها، وحرمانها من فرص التطور والتقدم والانطلاقِ إلى آفاق واسعة جديدة [3] ، ويتنافى - كذلك - مع القول بأن الحكمة ضالة المؤمن، أنَّى وجدها فهو أحقُّ بها."

من منطلق أن الأصل في الأشياء - لا سيما المعاملات - الإباحة؛ فإن هذا الأصل يجب أن يكون هو منطلقَنا في النظر إلى التطورات التي نشهدها اليوم في مجالات العلاقات الدولية والثقافية، مما يدخل في نطاق الوسائل التي هي في أغلب الاحيان أوعيةٌ لما يوضع فيها، وسبلٌ لتحقيق الأهداف.

(1) - انظر: من النهضة إلى الردة، ص 111 - 153، في: جورج طرابيشي. المرض بالغرب: التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي - مرجع سابق، ص 184.

(2) - انظر: عبدالله السيد ولد أباه. الحداثة والكونية: جدل الخصوصية والعالمية في المقاربة التحديثية - التسامح - ع 13 (شتاء 1427 هـ/ 2006 م) ، ص 54 - 74.

(3) - انظر: سماح أحمد فريد. الحداثة والتقاليد المبتدعة: رؤية لقضايا الثبات والتغير وإعادة التشكل - التسامح - ع 13 (شتاء 1427 هـ/ 2006 م) ، ص 33 - 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت