الصفحة 12 من 44

الوقفة الثانية

الخصوصية الدافعة والخصوصية الحاصرة

الخصوص - كما في القواميس - الانفراد، ويقابله: العُموم. ومن مفهوماته: الانحصار، ويقابله: الانطلاق.

والواضح أن المراد بهذه الخصوصيَّة الثقافية الجمعُ بين أحد المعنَيَين في كِلا المفهومين؛ إذ المقصود الانفراد من المفهوم الأول، والانطلاق من المفهوم الثاني. والمؤكد هو النزع عن مفهوم الانحصار، من حيث كونُه مفهومًا من مفهومات الخصوصية. ويقال - كما في لسان العرب: خاصٌّ: بيِّن الخَصوصية؛ بفتح الخاء وضمِّها، والفتحُ أفصح [1] .

يتردد كثيرًا الاهتمام والتركيز على الخصوصية الثقافية للمجتمع العربي والإسلامي، وهذا التركيز فرَضَه الانتماء الثقافي للمجتمع، الذي جعَلها تتبنى الإسلام منهجًا للحياة ومنبعًا للثقافة، في وقتٍ تنصرف فيه بعضُ الدول العربية والإسلامية رسميًّا - وليس بالضرورة على المستوى الشعبي - عن هذا التركيز في جانب الخصوصية الثقافية، ومن ثَم تميل بعض الحكومات إلى تبنِّي منهج العلمانية أسلوبًا للحكم فقط فيما يسمَّى بالعلمانية الجزئية، أو الحكم والحياة معًا فيما يسمى بالعلمانية الشاملة [2] ، في الوقت الذي كانت فيه هذه الدول ترعى الإسلام، وتمتلك ناصية القيادة فيه، ثم تحولَت إلى التركيز على إضعاف انتمائها ثقافيًّا لهذا الدِّين، وضيَّقَت على بعض الأفراد الذين يرغَبون في هذا الانتماء، ويُصرُّون فيه على الخصوصية الثقافية، ويُعلنون ذلك في كل مناسبة؛ مَحلِّية كانت، أم إقليمية، أم دولية.

ومن باب ردود الأفعال وُلد تبنِّي العلمانية تيارًا متطرفًا، مبالِغًا في المطالبة بالبقاء على منهج الخصوصية، ظهر في صورة تجمُّع فكري أو تجمعات أو أحزاب أو جماعات فكرية، اتخذَت وسيلة المجابهة والمصادمة أسلوبًا في الوصول إلى أهدافها، دون توخِّي الحكمة في تسويق الفكر الذي غالبًا ما بدأ معتدلًا، ثم لم يلبث أن شطح وغلا، وانبثقَت عنه أفكارٌ زادت في الغلوِّ والتطرف، فكانت المواقف

(1) - انظر: ابن منظور. لسان العرب/ حققه عبدالله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي - 5 مج. القاهرة: دار المعارف 1173: 2 - 1174.

(2) - انظر: عبدالوهاب المسيري. العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة - 2 مج، القاهرة: دار الشروق. 1423 هـ/ 2002 م، 1: 15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت