ثوبها الجديد على أنها"نوع جديد من أنواع الاستعمار، فيه كلُّ ما في الاستعمار القديم من صفات، وله ما لسَلفِه من الأهداف والغايات" [1] .
الوقفة السادسة
العولمة الثقافية
هناك مَن يدافع عن العولمة، ويرى أنها منهج جديد، سلَخ ما وراءه من خلفيات احتلالية، وجاء ليبشر بالشمولية من خلال سعادة البشرية، وتعميق أواصر الرابطة الإنسانية، وأن الذين يُعيدون العولمة إلى تلك العوامل المذكورة أعلاه إنما يوظِّفون مخزوناتهم الفكريةَ القائمة على هاجس الاحتلال والغزو الثقافي، أو الغزو الفكري.
هذا الدفاع عن العولمة هو أحد المسارات التي تتجاهل نظريةَ المؤامرة، أو بالأحرى تَنفي وجود مؤامرة من نوع ما [2] ، في الوقت الذي يؤكد فيه فريقٌ آخرُ أن العولمة شكل جديد من أشكال الغزو الثقافي، وأن العولمة"تحمل دائمًا في طيَّاتها نوعًا أو آخرَ من الغزو الثقافي؛ أي: مِن قهر الثقافة الأقوى لثقافةٍ أخرى أضعفَ منها" [3] ، إن المسألة لا تتعدى هنا الانتقال بالكون من قريةٍ كبيرة في الماضي إلى قرية صغيرة في الحاضر، وتتصاغر هذه القرية تِباعًا مع الأيام.
لا يَحسُن تجاهلُ البُعد الثقافيِّ في هذه القرية التي تَصغُر مع الأيام، ناهيك عن الأشهُر والسنين، والمراد هنا ليس الغزوَ الثقافي من ثقافة مهيمنةٍ على ثقافة مهيمَنٍ عليها، وإن كان هذا من الأبعاد التي لا تُتجاهَل، فالعولمة مهدِّد لمسخِ جميع الثقافات، وصَهرِها في ثقافة المجتمع التقني (التكنولوجي) الحديث، كما يحلو للدكتور جلال أمين أن يَستأثر بهذا الإطلاق؛ حيث تَنتفي الثقافة في هذا المجتمع [4] .
لعل التصويت على عدم إقامة مآذنَ للمسلمين في دولة أوربية قد أخَذ من العولمة والعلمانية حجَّة للنفوذ إلى كسر المدِّ الإسلامي المتنامي في الغرب، في ضوء القلق الفكري والعقَدي المهيمِن على ذَوي
(1) انظر: كامل الشريف الشباب المسلم والعولمة - مرجع سابق، ص 15.
(2) انظر: علي بن إبراهيم النملة، هاجس المؤامرة في الفكر العربي بين التهوين والتهويل - بيروت المركز الثقافي العربي 1430 هـ/ 2009 م، ص 230.
(3) انظر: جلال أمين - العولمة، القاهرة: دار المعارف، 2002 م، ص 50 (سلسلة اقرأ، 636) .
(4) انظر: جلال أمين، العولمة والهوية الثقافية والمجتمع التكنولوجي الحديث، ص 211 - 229، في مركز دراسات الوحدة العربية، العولمة وتداعياتها على الوطن العربي - بيروت المركز، 2003 م، ص 258.