الصفحة 23 من 44

تُنادي به بعضُ التيارات المحلية أو الإقليمية، إلى درجة الدعوة إلى"العولمة المضادَّة"من منطلق فكري، يوحي بالرغبة في تسجيل مواقف ضدَّ وجه فكري آخر قادمٍ من الآخر [1] .

لقد أسهم خمسة عشر كاتبًا - في ندوة العولمة والتحولات المجتمعة في الوطن العربي التي عقَدها مركز البحوث العربية والجمعية العربية لعلم الاجتماع في القاهرة 1419 هـ/ 1998 م - في معالجةٍ متفاوتة للعولمة، وجاءت إسهاماتهم لتصبَّ في هذه النظرة السلبية تجاه العولمة، بالإضافة إلى ما ظهرَت به بعض الأطروحات من أسلوب"جَلْد الذات" [2] .

إن هذا المفهوم المضطرب للعولمة، وإن جاء جديدًا في إطلاق المصطلح"العولمة"، إلا أن المعنَيَين بالمفهوم يؤكدون أن العولمة مفهوم قديمٌ قِدَم الحضارات، التي سعَت إلى أن تكون هي المهيمنةَ متى ما وضَح بُروزها وتبنِّيها، وفي هذا يذكر الأستاذ كامل الشريف، الأمين العام السابق للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة رحمه الله أنه"إذا كانت العولمة المعاصرة قد اعتمدت الغزو الثقافيَّ مآخذَ الأسلحة لحماية الغزو السياسي والاقتصادي، وشلِّ القدرات الوطنية عن المقاومة؛ فهو سلاح قديم أيضًا استخدمه الاستعمار القديم على نطاق واسع، وخصوصًا في العالم الإسلامي، فالدولة الشيوعية حرَّمَت دراسة القرآن الكريم، وأغلقَت المدارسَ الدينية، ومنعَت بناء المساجد إلا في الإطار الذي يخدم السياسة الشيوعية، ويفتح لدعايتها مساربَ في العالم الإسلامي" [3] .

إذا أقحمنا الاحتلال على أنه أداةٌ من أدوات بسط العولمة القديمة، فلا بد من التعريج على مؤثِّرَين آخرين، ولا يُستهان بأثرهما في هذا المنحى؛ أحدهما التنصير [4] ، ويعبَّر عنه أحيانًا بالتبشير، والآخر الاستشراق [5] ؛ بصِفتِهما أداتين أُخريَين من أدوات تسويق العولمة، بالمفهوم الواسع لهذا المصطلح [6] ، وإن لم يَكونا واضحين في التأثير؛ إذ إنَّ الأول نحَى المنحى التبشيريَّ والثاني نحى منحى البحث العلمي، إلا أنهما سخَّرا مهمَّتهما التنصيريَّة/ التبشيرية، والبحثية العلمية في سبيل هيمنة ثقافة الرجل الأبيض، مُتلبِّسة بالدِّين على غيرها من الثقافات الأخرى، ومن ثَم فإن هناك مَن ينظر إلى العولمة في

(1) انظر: عبدالسلام المسيدي - العولمة والعولمة المضادة - (القاهرة) : مجلة سطور (1999 م) ، ص 238 - 356.

(2) انظر: عبدالباسط عبدالمعطي/ محرر، العولمة والتحولات المجتمعية في الوطن العربي - القاهرة: مكتبة مدبولي - 1999 م، ص 292.

(3) انظر: كامل الشريف - الشباب المسلم والعولمة، في: المؤتمر العالمي الثامن للندوة العالمية للشباب الإسلامي، الشباب المسلم والتحديات المعاصرة - عمان 29 جمادي الآخرة - 3 رجب 1419 هـ/ 20 - 23 تشرين الثاني/ أكتوبر 1999 م، ص 4.

(4) انظر: علي بن إبراهيم الحمد النملة، التنصير: مفهومه وأهدافه ووسائله وسبل مواجهته - ط 4، الرياض، المؤلف 1426 هـ/ 2005 م، ص 243.

(5) انظر: علي بن إبراهيم الحمد النملة، ظاهرة الاستشراق: مناقشات في المفهوم والنشأة والدوافع والأهداف - ط 2، الرياض مكتبة النوبة، 1423 هـ/ 2003 م. ص 210.

(6) انظر: فقرة: الاستشراق والتغريب، وآثارها غير الإيجابية، ص 269 - 270، في سيار الجميل العولمة والمستقبل: إستراتيجية تفكير من أجل العرب والمسلمين في القرن الحادي والعشرين - عمان: الأهلية للنشر والتوزيع 2000 م، ص 439.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت