الصفحة 25 من 44

الثقافة الغربية، فهو قرارٌ لا يَخلو من نظرة يمينية متطرفة، لا تغفل الدين في منطلقاتها، وإن كانت حجتها أن رفع المآذن يتَنافى مع روح العلمانية الشاملة، التي تَقتضي في المقابل منعَ بناء الكنائس والبِيَع ودُور العبادة الأخرى، كما يتنافى مع روح العلمانية الجزئية التي تَفصل الدين عن الدولة، لكنها لا تتعرض للحريات الدينية والخصوصيات الثقافية للمجتمعات، وليس ذلك كله إلا سعيًا إلى ثقافة عولمية متعلمِنة.

وليست حادثة منع المآذن في سويسرا هي الأولى، ولن تكون الأخيرة؛ إذ إن هناك مشروعات أوربية سابقة كمسألة الحجاب في فرنسا، وأخرى لاحقة كمسألة أن يَربط المسلم على ذراعه"سريحة"خضراء ليُعرَف أنه مسلم، أو تجميع المسلمين في أحياء خاصة بهم يُمارسون فيها خصوصيتهم الثقافية.

تأتي هذه المشروعات غير المنطقية التي تتنافى مع ادعاء الديمقراطية غير المنحازةِ على علمٍ من الاتحاد الأوربي؛ لتؤكد للمواطن الأوربي أيًّا كانت هُويَّته الثقافية أن المراد من ذلك الحدُّ من انتشار الإسلام في الغرب، مما سيكون له آثار إيجابية على المجتمع الغربي في تفَهُّمه للإسلام، ثم الإقبال عليه، وقد قيل: إن مُواطنًا أوربيًّا قد بَنى منارة على بيته؛ تعبيرًا عن احتجاجه على فكرة التصويت على التضييق على المسلمين في الغرب بدعوى الانصهار في عولمة ثقافية مُعلمَنة.

إلا أن (أنتوني كنج) يستبعِد العولمة الثقافية؛ ذلك أن المشهد الثقافي الحاضر هو من التعقيد والتعدد بحيث يتعذَّر صهرُه في بوتقة واحدة، بغضِّ النظر عن وجهتها؛"فالناس تنتمي لعدَّة ثقافات مختلفة، والاختلافات الثقافية قد تكون داخل الدولة - أي: بين الأقاليم والطبقات والجماعات العِرقية الحضرية والريفية - أو بين الدول، وينتقل المعماريون وخبراءُ التخطيط بين نيويورك ولندن وبومباي بصورةٍ أيسَرَ من تنقُّلِهم بين بومباي وقرى ماهارشترا" [1] .

-لو تجاهلنا البُعد الثقافي ونظَرنا إلى العولمة من منطلق اقتصادي بحت؛ فإننا نجد مَن يؤكد قِدَم العولمة، يقول أحمد هاشم اليوشع:"العولمة ظاهرة قديمة جدًّا، وهي تعبِّر عن سعي الإنسان للبحث عن أسواق جديدة لتوزيع منتج أو للحصول على عوامل الإنتاج - العمل ورأس المال - فهي تعبيرٌ عن سعي حثيث يَصعُب ربطه بتفكير أو فترة زمنية محددة، وما نعرف عنها أن الدافع الرئيسي لانتعاشها يكاد يقتصر بشكل أساسي على تعظيم الرِّبحية وزيادة الثروة ... إن العولمة من منظور تاريخي ظاهرةٌ قديمة، تمتد لتشمل أي تجربة إنسانية ارتبطَت بالبحث عن أسواق جديدة؛ كرحلة كرستوفر كولومبس، أو رحلة الشتاء والصيف عند عرب الجزيرة العربية قديمًا" [2] .

(1) انظر: أنتوني كنج، العمارة ورأس المال وعولمة الثقافة، ص 387 - 401 ن - والنص من ص 398، في: ثقافة العولمة القومية والعولمة والحداثة/ إعداد مايك فيذرستون، ترجمة عبدالوهاب علون - القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة 2000 م، ص 411.

(2) انظر: أحمد هاشم اليوشع، عولمة الاقتصاد الخليجي: قراءة للتجربة البحرينية - بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2003 م، ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت