-يمكن أن يُقاس على هذه الرحلات القديمة رحلاتُ أهل الخليج في القرنين الماضيين، وقبل مرحلة اكتشاف النفط إلى الشرق - الهند تحديدًا - ورحلات تجار وسط جزيرة العرب"العقيلات"إلى الشام ومصر [1] ، بحيث سرَت عبارةٌ في المنطقة تنصُّ على أن:"الشام شامُك إذا الدهر ضامك، والهند هندُك إذا قلَّ ما عندَك".
ولم تقتصر الهجرات على مصر والشام فقط التي ركَّز عليها النجديون [2] ، بل شملت الشرق؛ كالهند وجزر الجنوب الشرقي لآسيا بالنسبة للحَضارِم والخليجيين، والغرب في الدول الإفريقية المتاخِمة لجزيرة العرب بالنسبة للحجازيين وأهل الباحة وعسير واليمن وعدن، وإن تكن هذه الجهاتُ الأخيرةُ مختلفةَ الظروف، وباعِثُها طلب العيش والتغلُّب على البطالة والفقر، ومع هذا فلم تتخلَّ هذه الهجرات عن خصوصيتها الثقافية، بل إنها هي من وسائل التوكيد على أن هذه الخصوصية الثقافية خصوصية دافعة، فقد أسهمَت هذه الهجراتُ في نشر الإسلام في المواقع التي هاجرَت إليها.
على أنَّ من الباحثين في تحرير مصطلح"العولمة"مَن لا يذهب هذا العُمق في التاريخ وإن اتفَق مع غيره على فكرة قِدَم المفهوم، وليس بالضرورة المصطلَح، ويعود ذلك إلى نشوء الرأسمالية"الأوربية في حركة تَناميها على مستوى الأسواق الأوربية الوطنية، ثم في خروجها من حدودها الوطنية إلى الأسواق العالمية في المستعمرات، أو في دول العالم الثالث؛ للسيطرة عليها من خلال الشركات ذات الصفة العالمية" [3] .
إذا كانت العولمة ستسعى إلى توحيد العالم حضاريًّا، بفعل التقنيات الجديدة،"فلا يَعني ذلك أنها ستوحِّد العالم ثقافيًّا، أو أنها ستَقضي على الخصوصيات الثقافية" [4] ، ولا يمكن فصلُ الثقافة عن الحضارة.
وفي هذا الصدد يقول الأمير سعود الفيصل:"مما هو مَدْعاة للأسف أن الفكر العربي لم يواكب ما حملَته المتغيرات الدولية المتسارعة من فُرص وتحديات، فبدلًا من التفاعل الإيجابي مع العولمة انشغَل بعض المفكِّرين بالتحذير من شرورها، وتهرَّب البعض الآخر من ممارسة النقد الذاتيِّ والتحليل الموضوعي في زمنٍ نحن أحوجُ ما نكون فيه إليهما ... ولعل من أخطر التطورات الفكرية السلبية أن"
(1) انظر: نواف بن صالح الحلبسي، عصر العقيلات الجذور العربية في مصر والشام والعراق قطوف على هامش قصصهم في مهاجرهم، الرياض: المؤلف 1417 هـ، ص 338، (سلسلة من تراث نجد مع قوافل تجارة العقيلات، 1) ، وانظر أيضًا: إبراهيم المسلم العقيلات، الرياض: دار الأصالة، 1405 هـ/ 1985 م، ص 314، وانظر كذلك: عبدالرحمن بن زيد السويداء، عقيلات الجبل، حائل النادي الأدبي 1416 هـ، ص 412.
(2) انظر: عبدالعزيز عبدالغني إبراهيم، نجديون وراء الحدود: العقيلات ودورهم في علاقة نجد العسكرية والاقتصادية بالعراق والشام ومصر، بيروت: دار الساقي، 1991 م، ص 312.
(3) انظر: عز الدين إسماعيل، العولمة وأزمة المصطلح، العربي، ع 498 (5/ 2000 م) ، ص 165 - 167.
(4) انظر: علي حرب، حديث النهايات: فتوحات العولمة ومآزق الهوية، الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي 2000 م، ص 37.