من بعض الدول المضيَّ في استعارة المنهج العلماني؛ بحجة أن هذا الفهم للخصوصية لن يُفلح في سعي الدول إلى النهوض، فكان هذا الإصرار الرسميُّ نتيجةً لذلك الغلوِّ في فرض الخصوصية الثقافية الحاصرة، أو هو من نتائجه على وجه الدقة.
وإذ نفخر بهذا التميز والخصوصية ينبغي أن نتوخَّى الحذر من هذا الإطلاق؛ إذ إنَّ هذه الخصوصية الدافعة يلزم أن تكون حافزًا إلى المزيد من التميز الذي لا يعيقنا البتة عن السير في"رَكْب الحضارة"، والإسهام فيها، واستخدام الوسائل المعينة على ذلك. ومن ثم فلا تَعني الخصوصية الحدَّ من إسهامنا في الحياة العامة، والإحجام عنها تحت قيد التميز والخصوصية الحاصرة [1] .
إننا لا نريد أن نعيش"شعورًا بالخصوصية المتفوِّقة، ترتَّب على جهلٍ بحقيقة ما يَجري في عالم اليوم، على مستوى الفكر والتخطيط، ونضوج التنمية البشرية" [2] .
يقول إبراهيم بدران:"إن التمسُّك المبالغ فيه بمقولات الخصوصية الثقافية، والتشدد في عدم التعامل مع مفردات العولمة، أو الحضارة المعاصرة عمومًا؛ بحجة الحفاظ على الهوية القومية والخصوصية الثقافية - أمر غير منتج، وفيه الكثير من الأذى والإعاقة لانطلاق الأمة ونهضتها" [3] ، ويقتضي هذا قدرًا واضحًا من التوازن بين مفهومَي الخصوصية والكونيَّة.
ولا تَعني الخصوصية الثقافية القطيعةَ الحضارية مع الثقافات الأخرى؛ فهذه خصوصية حاصرة لا دافعة، كما لا يَعني الانفتاحُ المطلوب على الحضارات مجردَ المحاكاة المتطلِّبة لنُكران التراث النافع في مقابل الأخذ بأسباب المعاصرة والحداثة، هذا الموقف يعبِّر عن صراع مصطنَع بين الأصالة والمعاصرة، لا ينبغي الاستسلام له؛ من منطلق تناقض المفهومَين، وادعاء تعذُّر اجتماعهما في مسيرة حضارية واحدة، في ضوء الخصوصية الدافعة وليست الحاصرة [4] .
(1) - انظر: فقرة: وثنية الخصوصية، ص 13 - 18، في: عبدالرزاق عيد ومحمد عبدالجبار. الديمقراطية بين العلمانية والإسلام - دمشق: دار الفكر 1421 هـ/ 2000 م - 264 ص - (سلسلة حوارات لقرن جديد) .
(2) - انظر: صلاح الدين أرقه دان. التخلف السياسي في الفكر الإسلامي المعاصر - بيروت: دار النفائس 1423 هـ/ 2003 م، ص 214.
(3) - انظر: فقرة: أين تذهب الخصوصية؟ ص 189 - 191 في: إبراهيم بدران. أفول الثقافة - بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2002 م، ص 294.
(4) - انظر: علي بن إبراهيم النملة، السعوديون والخصوصية الدافعة: مرجع سابق، ص 312.